المصادر الداخليّة للقانون العام الاقتصادي (المحاضرة الثالثة)
المصادر الداخليّة للقانون العام الاقتصادي
(المحاضرة الثالثة)
أهمية المحاضرة: تتحدد أهمية المحاضرة بعنوان" القانون العام الاقتصادي: الأهمية والتعريف والقواسم المشتركة بالقوانين الأخرة ذات الصلة" بالنسبة للطالب المسجل بالسنة الثالثة/حقوق/قانون عام في تمكين هذا الأخير من الاطلاع على أهمية هذا القانون(القانون العام الاقتصادي) في تعزيز الزاد المعرفي القانوني للطالب الذي هو بأمس الحاجة و معالجة السؤال المتعلق باستقلالية هذا القانون عن فروع القانون الأخرى ذات القواسم المشتركة بعنصر الاقتصاد.
يزداد الاهتمام بالقانون العام الاقتصادي في ظل اتساع دائرة الأزمات الاقتصادية للنظام الرأسمالي وتضاعف حجم الاحتكار العالمي للسلع والبضائع وعليه فإن أهمية تدريس هذا القانون لطلبة الحقوق يبقى انشغالا رئيسا تسعى كليات الحقوق التكفل به تدريسا و(محاضرة) و تطبيقا عمليا(أعمال موجهة).
عناصر المحاضرة: للمحاضرة عناصر جد هامة فضلنا دراستها و تحليلها و توضيح مضامينها حتى يصبح هذا المقياس مستقطبا للطالب الجامعي ومنها:
-معالجة التعاريف المختلفة لهذا القانون الذي لم تتمكن المدارس الفقهية الغربية و العربية من الاتفاق حول تعريف جامع له يكون مرجعنا الرئيس في دراستنا لهذا المقياس.
-البحث في مصادر هذا القانون الذي يخص طبيعة تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي على مستوى الإقليم أكان ذلك في ظل الدولة المتدخلة (دولة الرعاية الكاملة) أو في ظل الدولة المُنظمة أو المُعدلة.
-البحث في علاقة هذا القانون بالقانون الدستوري و القانون المدني والقانون التجاري و قانون النقد والقرض.
-البحث في ما يتميز به هذا القانون.
أسئلة المحاضرة: ومِن الأسئلة التي فضلنا طرحها ضمن هذا المحور من الدراسة(المحاضرة الثانية) لتكون موضوع تحليل ومناقشة و دراسة:
*ما المقصود بالمفهوم الضيق للقانون العام الاقتصادي؟
*ما المقصود بالمفهوم الواسع و/أو المُوسع للقانون العام الاقتصادي؟
*ما مدى تطبيق المبادئ العامة في القانون العام الاقتصادي؟
الهدف من المحاضرة يتحدد الهدف من تدريس المحاضرة في تمكين الطالب الجامعي مِن الوقوف على خصائص ومميزات النصوص الناظمة لهذا القانون .
تقديم؛
تنقسم مصادر التشريع عموما إلى مصادر وطنيّة (محليّة) أو داخليّة ومصادر دولية أو خارجيّة وللقانون العام الاقتصادي كذلك مصادره الداخليّة (المطلب الأول)؛ والدّولية (المطلب الثاني).
من منطلق أنّه لا يمكننا الحديث عن وجود قانون عام اقتصادي، دون أن نستند عند تناولنا للموضوع، إلى ما جاء في القانون الأساسي للدولة (الدستور)، ثمّ في القوانين واللوائح التنظيمية والقرارات الادارية. بالإضافة إلى ما يتمُّ الاتّفاق عليه بين أطراف الانتاج والمتعاملين الاقتصاديين والاجتماعيين في إطار ما أصبح يعرف بالحوار الاجتماعي (Le Dialogue social)، فضلت استعراض المصادر الداخلية بالتركيز على التجربة الجزائرية في ما يتعلق بالتأسيس لتشريع اقتصادي جزائري كانت الغلبة فيه للقانون العام الاقتصادي (1962-1988) الذي أسّس للدولة المتدخلة في النشاط الاقتصادي(إنتاجا وإدارة وتسيرا وتحديدًا للسعر عند البيع والاستهلاك دون منازع) باعتبارها صاحبة سلطة وسيادة.إلّا أنّ دستور 1989 وما كرّسه من مبادئ دستوريّة جديدة في مجال إدارة الشأن الاقتصادي لمرحلة التأسيس للدولة المعدّلة أو المعدّلة (Etat Régulateur)[1] قد قلّص من تدخل الدولة كقوّة عمومية في النشاط الاقتصادي الذي لم يعد حكرًا على الشركة الوطنية أو المؤسسة العامة الاقتصادية، بل أصبحت الشركة أو المؤسسة التجارية الخاصة الوطنية والأجنبية على حدٍّ سواء تلج السوق المحلية (الوطنية) بحماية من الدولة التي تحوز على سلطة اصدار القوانين المنظّمة للاستثمار .
والمصادر الداخليّة للقانون العام الاقتصادي فهي مجموعة النصوص التي تصدرها السّلطة التشريعيّة(القوانين)، أو التنفيذيّة (المراسيم والأوامر الرئاسيّة والمقررات الاداريّة)، وتخضع هذه المصادر إلى مبدأ التفاضل.
الفرع الأول: الدساتير الجزائرية والتأطير القانوني لتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي
ولأهمية الانتقال التشريعي والقانوني والتنظيمي الذي حدث بالجزائر العام 1989 (المرسوم الرئاسي رقم 89-18 المؤرخ في 22 رجب عام 1409ه الموافق 28 فبراير سنة 1989 والمتعلق بنشر نص تعديل الدستور الموافق عليه في استفتاء 23 فبراير سنة 1989، ج.ر.ج.ج، العدد 09، التاريخ: الأربعاء 23 رجب عام 1409 الموافق أول مارس سنة 1989)، فضلت التقسيم الآتي لهذا الفرع على النحو الآتي؛
- الدساتير الجزائرية لمرحلة ما قبل 1989؛
- الدساتير الجزائرية لمرحلة ما بعد 1989.
- الدساتير الجزائرية لمرحلة ما قبل سنة 1989: تتميّز دساتير مرحلة ما قبل دستور 1989 بكونها كانت دساتير برامج سياسية واجتماعية واقتصادية قبل أن تكون دساتير-قوانين وذلك، حسب وجهة نظر العديد من فقهاء القانون الدستوري الجزائري، وسندهم في ذلك أن السلطة السياسية المنبثقة عن ثورة التحرير، قد اختارت الطبيعة السياسية للدولة التي تقود التنمية الاقتصادية، من منطلق ممارستها لمفهوم السيادة الوطنية.
وعليه فهي الدولة الوطنية التي تقوم على الاختيار الاشتراكي، والحزب الواحد، والملكية العامة لوسائل الإنتاج.
إنّ الدولة الجزائرية، ومن منطلق المسؤولية الاقتصادية والاجتماعية للنظام الاشتراكي، أعلنت احتكارها للتجارة الداخلية والخارجية وقيادتها للنشط الاقتصادي(إنتاج وبيع وتحديد التسعيرة النهائية عند الاستهلاك..)، منذ دستور 1963، كما جاء دستور 1976 داعما للنهج التنموي الاشتراكي الذي تحددت ملامحه الأساسية في دستور 1963، بالإضافة إلى وحدوية الدولة والحزب (حزب جبهة التحرير الوطني)، وعلى المؤسسة الاشتراكية كأداة للتنمية بمفهومها الواسع، وعلى الملكية العمومية لوسائل الإنتاج، وأحادية العمل السياسي في إطار دولة الحزب الواحد، وإعادة التأكيد الدستوري على منع أي شكل من أشكال التعددية السيّاسية والنّقابية في البلد.
ومن المظاهر البارزة لتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي (الفترة الممتدة من سنة 1962 و إلى غاية 1989) من منطلق القوّة العمومية (السُّلطة العمومية Autorité Publique):
- ضمان التسيير المباشر للمرافق العامة من طرف الدولة، باعتبارها صاحبة سلطة وسيادة، وهو "التسيير الذي تتحمل من خلاله الجماعة العمومية (الدولة، الجماعات المحلية) كل أعباء التسيير ولا يملك المرفق العمومي لوحده الشخصية المعنوية الخاصة به"[2]؛- إن الدولة الاشتراكية هي بمثابة الشخص المعنوي الوحيد المؤهل قانونا بالتعاقد والتملك والتقاضي، وعليه فإن المؤسسة المسيّرة ذاتيا (1962-1965)، والشركة الوطنية (1965-1971)، والمؤسسة الاشتراكية (1971-1988)، والمؤسسة العمومية الاقتصادية (1988) لم تكن تحوز على الشخصية القانونية التي تؤهلها للتملك والتعاقد والتقاضي، "لكونها كانت مرافق ملحقة بالدولة والجماعة المحلية ومندمجة فيها وتابعة لها".[3]
فالمؤسّسةُ الاقتصادية في ظلِّ النظام الاشتراكي لم تكن مطالبة بتحقيق الربحيّة أو ما يعرف اصطلاحا بالغرض الرّبحي (à but lucratif)، بقدرِ ما كانت المؤسّسةُ العمومية الإدارية والاقتصادية مطالبةً بتنفيذِ برامجَ اقتصاديةٍ ذاتِ مضمونٍ اجتماعي الهدفُ منه:- تلبيةُ الطّلبِ على الشُّغلِ وامتصاصِ اليدِ العاملة، وتمكين المواطنين من مناصب شغل تسمح لهم بإيراد مالي (أجر) منتظم بغرض تلبية حاجيات أسرهم ضمن السياسات العامة للدولة التي كانت تقوم على التوزيع العادل للمداخيل؛- إنّ الدّولة كانت تَعتبرُ المؤسّسة العمومية الإدارية والاقتصادية بمثابةِ ذراعِها الاجتماعي في المجتمع، وبالتّالي فإنّه تجبُ حمايتُها من الإفلاس، أو في حالة عدمِ القدرةِ على السّداد، فأخضعها المشرّعُ الجزائري للقانون العامّ في تعاملاتِها مع تفرُّعاتِ الدّولة خدمةً للمصلحةِ العليا للمجتمع، كما تميّزت السُّلطاتُ العمومية الجزائرية بعدم التّفريطِ في المؤسّسةِ العامّةِ الإدارية والاقتصادية.
- الدّساتيرُ الجزائرية ما بعد دستور 1989: يُعتبرُ دستور 1989 بمثابة أوّلِ دستورٍ- قانون بالجزائر، وذلك باعتبار أنّ ما جاء في أحكامِه شكّلَ نقلةً دستوريةً نوعية في مجال الإقرارِ الدّستوري الصّريح بالدّولة المعدِّلة أو المنظِّمة اقتصاديًا واجتماعيًا، وترسيخِ "الفصلِ بين الدّولة باعتبارها سلطةً عمومية والدّولة باعتبارها المالكَ لرأسمالِ المؤسّساتِ الاقتصاديةِ والتّجارية".[4]
كما تمّ الفصلُ بين السُّلطاتِ الثّلاث (التّشريعية والتّنفيذية والقضائية)، خلافًا لدستور 1976 الذي استعمل تعبيرَ "تنظيم السُّلطات، ووزّعها بين ستّةِ وظائفَ هي: السّياسية والتّنفيذية والتّشريعية والقضائية ووظيفة المراقبة والوظيفة التّأسيسية".[5]
وبالإضافةِ إلى الإقرارِ الدّستوري لِمبدأِ المساواةِ بين المواطنينَ أمام القانون، ومنعِ أيِّ شكلٍ من أشكالِ التّمييز بين المواطنين (المادة 29)، وتكفُّلِ الدّولة بالحرّيات الأساسيةِ للإنسانِ والمواطن (المادة:31)، وضمانِ الحقِّ في الدّفاع الفردي أو الجمعوي عن الحقوق الأساسية للإنسانِ وحرّياتِه الفردية والجماعية (المادة:33)، والتّكريسِ الدّستوري لحرّيةِ التّعبيرِ وإنشاءِ الجمعياتِ والاجتماع (المادة:41)؛ فقد جاء في دستور 1989 ما يمكن اعتبارُه مقاربةً جديدةً لمفهومِ الدّولةِ القائمة على:
- التّعدّدية السّياسية:- إلغاءُ سيطرةِ الحزبِ الواحد على الحياةِ السّياسيةِ في الجزائر؛- الإقرارُ بمبدأِ التّعدّدية السّياسية وحرّيةِ التّجمعِ وإنشاءِ الجمعيات؛- إلغاءُ أيِّ ربطٍ عضوي بين الدّولةِ والحزب أو الأحزابِ القانونيةِ القائمة.
-الحرّية الاقتصادية:- إلغاءُ احتكارِ الدّولة للتّجارةِ الدّاخلية والخارجية؛- فتحُ السّوق المحلّي أمام المنتجاتِ من خارجِ الوطن؛- تحريرُ الأسعارِ وتركُها لمقتضياتِ السّوق؛- تمكينُ المتعاملينَ العموميينَ والخواصّ من المبادرة في الشّأنِ الاقتصادي؛- السّعيُ إلى توفيرِ مُناخِ استثمارٍ مساعدٍ لرأسِ المالِ الأجنبي؛
- التّعدّدية النّقابية:
إلغاءُ احتكارِ منظّمةِ الاتّحادِ العامّ للعمّالِ الجزائريين للعملِ النّقابي، والانفتاحُ على التّعدديةِ النّقابية على مستوى قطاعاتِ النّشاطِ الاقتصادي والخدمي والوظيفةِ العمومية، وتمكينُ المنظَّماتِ النّقابيــة للعمـل ولأصحابِ العمل وليدةَ دستور 1989 من التّأسيسِ والنّشاط.
- ممارسةُ الحقِّ في الإضراب: تمكينُ العمّالِ والموظّفينَ من ممارسةِ الحقِّ في الإضراب، بعد أن كان يُسمحُ به على مستوى القطاعِ الخاصّ دون القطاعِ العمومي أو الوظيفةِ العامّة.[6]
ومن النّتائجِ المباشرة لدستور 2016[7] والتي لها علاقةٌ وطيدة بمكانةِ القانونِ العامّ الاقتصادي بالجزائر ضِمنَ السّياساتِ العامّة للدّولة الجزائرية في ظلّ اقتصادِ السّوق، ما يأتي:
- تراجع الدولة باعتبارها سلطة عمومية في مجال إدارة وتسيير النشاط الاقتصادي بكيفية مباشرة وتركها المجال للمؤسسة العمومية الاقتصادية وللقطاع الخاص الوطني والمختلط والأجنبي وفق تدابير قانونية تستمد مرجعتيها من الالتزامات الدولية للجزائر في كلِّ ما يتعلّقُ بضمانِ وحمايةِ المستثمِر الأجنبي؛
- توسيع دائرة استعمال عقد الامتياز المرفقي على المستوى الوطني بعد أن شرعت السلطات العمومية في حل بعض الدواوين، وتمكين القطاع الخاص من تعويض الدولـــة في استيراد الموّاد والبضائـــع والمنتوجات والمواد الأولية التي تدخل في التصنيع المحلي؛
- تنفيذ العديد من برامج الهيكلة والتثبيت (Programme d’Ajustement Structurel) مست أسس ومبادئ التنظيم الاقتصادي الجزائري بغرض تحقيق التكييف التشريعي والقانوني مع متطلبات اقتصاد السوق، وتبعات انسحاب الدولة باعتبارها سلطة عمومية من الإدارة المباشرة للشركات والمؤسسات العمومية الاقتصادية تحت ضغط الالتزامات الدولية للدولة لجزائرية مع كل من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي على مدار الفترة الزمنية 1989-1998 (أبرمت الجزائر أول اتفاق للتسهيلات المالية مع كل من "صندوق النقد الدولي" و"البنك العالمي" في شهر ماي 1989، والثاني تمّ في جوان 1991، والثالث في شهر ماي 1994، والرابع في شهر ماي 1995)؛
- التوجه نحو التصديق على أهم الاتفاقيات الدولية في مجال الاستثمار والمبادلات التجارية البينية أو المتعددة الأطراف التي من شأنها أن تمكن الدولة الجزائرية من ولوج الفضاء الاقتصادي الدولي القائم على الاقتصاد الحر، والتقليل من تدخل الدولة وأهمها: - التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة في نيويورك الصادرة بتاريخ 10 جوان 1958 والخاصة باعتماد القرارات التحكيميّة الأجنبيّة وتنفيذها بموجب القانون رقم:88-18 المؤرخ في 28 ذي القعدة 1408 الموافق لـ 12 جويلية 1988 والمتضمن الانضمام لهذه الاتفاقية الدولية؛[8] - التوقيع والتصديق على الاتفاقية الدولية المتعلقة بتسوية المنازعات المتعلقة بالاستثمارات بين الدول ورعايا الدول الأخرى بموجب الأمر رقم :95-04 المؤرخ ـ21 جانفي1995؛ - الموافقة على الاتفاقية الدولية المتضمّنة إحداث الوكالة الدولية لضمان الاستثمارات بموجب الأمر رقم: 95-05 المؤرخ في 19 شعبان 1415ه الموافق لـ21 جانفي1995.
أكّدت أحكامُ دستور 2016 (ج.ر.ج.ج، عدد 14، تاريخ 07/03/2016) على أنّ الدّولة الجزائرية لم تتنازل عن سيادتِها الوطنية وحمايتِها لعناصرِ الوَحدة السّيادية وهي تتعاملُ مع المؤسّسات المالية العالميّة، بل يجدُ الباحثُ في الشّأنِ الاقتصادي أنّ الدّولة قد تمسّكتْ بدفاعِها التّقليدي عن أهمّيةِ تواجدِ عنصرِ الدّولة في عقود الاستثمار، وتثمينِ الثّرواتِ الباطنية والدّليل على هذا التّمسُّك...
أبقتِ الدّولة على المفهومِ الوطني للمِلكيةِ العامّة التي تشمُلُ باطنَ الأرض، والمناجمَ والمقالع، والمواردَ الطّبيعية للطّاقة، والثّرواتِ المعدنيةِ الطّبيعية والحيّة في مختلفِ المناطقِ البحريةِ والمياهِ والغابات، كما تشمُلُ النّقلَ بالسّككِ الحديدية، والنقلَ البحري والجوّي، والبريدَ والمواصلاتِ السّلكيةِ واللاسلكية (أنظر: المادة 18 من الدّستور الجزائري السّاري المفعول)،كما أنّها أكّدت على أنّ الأملاكَ الوطنية يحدّدُها القانون، وتتكوّنُ من الأملاكِ العمومية والخاصّة التي تملكُها كلٌّ من الدّولة، والولاية، والبلدية، على أن يتمَّ تسييرُ الأملاك الوطنية طبقًا للقانون (أنظر: المادة 20 من الدستور)؛- التزامُ الدّولة الجزائرية بما تتعهّدُ به على الصّعيدِ الدّولي تماشيًا والتزاماتِها الدّولية (أنظر: المادّة 150 من الدّستور الجزائري 2016).[9]
بالإضافةِ إلى الإصرارِ على أنّ تنظيمَ التّجارةِ الخارجية هو من اختصاصِ الدّولة، على أن يحدِّدَ القانونُ شروطَ ممارسةِ التّجارةِ الخارجية ومراقبتِها (أنظر: المادّة 21 من الدّستور)، وتكريسِ حرّية الاستثمارِ والتّجارة على مستوى التّراب الوطني (أنظر: المادة 43 من الدستور)،[10] على أن تمارَس هذه الحرّية في إطار القانون (التّأكيدُ على أنّ قانونَ الدّولة المضيفة للاستثمار يُشكِّلُ القاعدة وليس الاستثناء)، بالإضافةِ إلى تحسينِ مُناخِ الأعمال (Le Climat des affaires)، وتشجيعِ ازدهارِ المؤسّساتِ دون تمييزٍ خدمةً للتّنميةِ الاقتصاديةِ الوطنية، وتكفُّلِ الدّولة بضبطِ السّوق وحمايةِ المستهلِك ومنعِ الاحتكارِ والمنافسةِ غيرِ النّزيهة.
الفرع الثاني: القانون كمصدر من المصادر الداخلية للقانون العام الاقتصادي
دخلت الجزائر، بعد التصديق الشعبي الواسع على دستور 23 فبراير 1989، في إصلاحٍ قانوني واسعِ النّطاق كان الهدف منه تحقيق الانتقال السّلس من الدولة المتدخلة في النشاط الاقتصادي نحو الدولة المعدّلة أو المنظّمة. وهي الدولة التي قررت أن تنسحب من هذه الأسواق (الإنتاج والتوزيع وتحديد أسعار الاستهلاك)، وألّا تتدخل إلّا في حدود التعديل وضمان الحدود الدنيا من الضبط الاقتصادي والاجتماعي (La régulation économique et sociale) الذي يقع على كاهلها.
- تكييف المنظومة القانونية ومتطلبات مرحلة ما بعد دستور 1989: ومن الإصلاحات العميقة التي أجرتها الحكومات المتعاقبة من تاريخ 23 فبراير 1989، ومست معظم القوانين ذات الصّلة بالقانون الاقتصادي بشقيه العمومي والخاص:- الإصلاح العميق الذي مسّ القانون الاجتماعي في الجزائر من خلال تكريس نظام علاقات عمل جديد تصنع قواعده المفاوضة الجماعية والحوار الاجتماعي بين مختلف أطراف الإنتاج (حكومة ومنظّمات نقابية لأصحاب العمل والعمال)، وقد جاء ليحل محل النظام القانوني القديم الذي حددته نصوص قانون التسيير الاشتراكي للمؤسّسات (الأمر رقم 71-74 المؤرخ في 16 نوفمبر 1971 والمتعـــــلق بالتسيير الاشتراكي للمؤسسات)، والقانون الأساسي العام للعامل (القانون رقم 78-12 المؤرخ في 05 أوت 1978 المتضمن القانون الأساسي العام للعامل).والنتيجة أن أصدرت الجزائر منظومةً قانونيّةً جديدة في كلِّ ما يتعلّقُ بالعمل أسّستْ للمفاوضةِ الجماعية والحقِّ في الإضراب والتّعدديةِ النّقابية، وفي مقدّمتها القوانينُ الآتية:- القانون رقم:90-02 والمتعلق بالوقاية من المنازعات الجماعية في العمل وتسويتها وممارسة حق الإضراب؛- القانون رقم:90-03 والمتعلق بمفتشية العمل؛-القانون رقم:90-04 والمتعلق بتسوية المنازعات الفردية في العمل؛- القانون رقم:90-11 والمتعلق بعلاقات العمل.
بالإضافة إلى الشروع في تنفيذ برنامج إصلاح المنظومة البنكية والنقدية لتكون ملائمة للتوجهات العامة للدولة نحو المزيد من التحكم في نسب عجز الموازنة العامة، وفي معدلات التضخم من خلال إصدار قانون يتعلق بالنقــد والقرض يتمتع باستقلالية البنك المركزي في إدارة وتسيير كل ما يتعلق بموضوعي النقد والقرض (قانون رقم:90-10 مؤرخ في 19 رمضان 1410 الموافق لـ14 أبريل 1990 المعدل و المتمم)؛- تعديل قانون الأملاك الوطنية ليكون ظهيرا وسندا للتوجهات الاقتصادية الجديدة التي تقوم على الحق في ممارسة حرية التجارة والاستثمار (قانون رقم:90-30 مؤرخ في 14 جمادي الأول 1411 الموافق لأول ديسمبر 1990 والمتضمن قانون الأملاك الوطنية)؛- إصلاح المنظومة الجبائية والجمركية[11] لتواكب أحكامها اشتراطات الدولة المعدّلة التي تقوم على حسن الأداء الضريبي والتحصيل الجبائي.بالإضافة إلى إصدار أول مرسوم تشريعي يتعلق بترقية الاستثمار بالجزائر (المرسوم التشريعي رقم:93-12 مؤرخ في 19 ربيع الثاني 1414 الموافق لـ05 أكتوبر 1993 والمتعلق بترقية الاستثمار- ج.ر.ج.ج، عدد 64 لِسنة 1993).
وهو الإصدار القانوني الأول من نوعه بالجزائر يتضمن تشجيعا مباشرا للاستثمار الخارجي بعد أن كانت الجزائر ترفض أي نوع من الاستثمار خارج الاستثمار العمومي للدولة.[12]
- تكييف الطبيعة القانونية للمؤسسة العمومية الاقتصادية: وبالنسبة للإصلاحات التي مست النظام القانوني للمؤسسة العمومية الاقتصادية، منذ تاريخ 23 فبراير 1989، أصدرت الدولة الجزائرية أحد أهم القوانين المنظمة للمؤسسة العمومية الاقتصادية في ظل سوق تنافسي أقرّ المشرع الجزائري بموجبه مصطلح الخوصصة[13] (الأمر رقم 01-04 مؤرخ في أول جمادي الثانية 1422 الموافق لـ20 أوت 2001 والمتعلق بتنظيم المؤسسات العمومية الاقتصادية وتسييرها وخوصصتها (ج.ر.ج.ج، عدد 47 لِسنة 2001).
وفي الإطار العام القاضي بتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أصدرت السلطات العمومية قانون رقم 17-02 مؤرخ في 11 ربيع الثاني 1438ه الموافق لـ10 جانفي 2017، المتضمن القانون التوجيهي لتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (ج.ر.ج.ج، العدد 02 لِسنة 2017)، بالإضافة إلى قوانين المالية التي أصبحت تتضمن أحكامًا وبنودًا تخصّ المؤسّسة العمومية الاقتصادية[14] بغرض تمكينها من البقاء في الساحة الاقتصادية بدعم مباشر وغير مباشر من طرف السلطات العمومية.
والدولة الجزائرية، وبعد أن تبنت جميع دساتيرها، بعد دستور 23 فبراير 1989،آليات اقتصاد السوق، لم تتوقف من التدخل في النشاط الاقتصادي بواسطة شركات مساهمات الدولة (Les Sociétés de Gestion des Participations de L’Etat)[15] التي كانت تؤدي وإلى غاية انشاء المجمعات الصّناعية الكبرى دور المتعامل الاقتصادي بالنيابة عنها باعتبارها صاحبة المسئولية في إدارة وتسيير أموالِ الدولة وفق قواعد وآليات السوق بعيدا عن القانون العام، بل يسجل الباحث في الشأن الاقتصادي تشجيع السلطات العمومية الجزائرية على حرية الأطراف المتعاقدة في مجال الاستثمار اختيار التحكيم التجاري الدولي عند المنازعة (راجع نص المادة 24 من القانون رقم:16-09 المؤرخ في 03 أوت 2016). هذا ويبقى للدولة حق المبادرة بإنشاء مؤسسات عمومية ادارية و صّناعية وتجارية دون النظر لمعيار تحقيق الربحيّة.
[1] يقصد بالدولة المعدّلة أو الدولة الضاّبطة التخلي عن النشاط الاقتصادي أو الإنتاجي أو الخدمي من منطلق صاحبة السلطة و السيّادة و الابقاء على تدخلها في حدود الرقابة التحكيم وتوفير الاطار التشريعي والقانوني والتنظيمي المساعد للأعمال التجارية والاستثمار، فالدستور المعدّل(1989) ألغى احتكار الدولة للتجارة الداخلية والخارجية وكرّس الحق في الملكية الفردية والجماعية. وأوضح دستور2016 على أن الملكية العامة هي ملك المجموعة الوطنية (راجع المادة 18) وتشمل باطن الأرض، والمناجم، والمقالع، والموارد الطبيعية للطاقة والثروات المعدنية الطبيعيــــة والحية، في مختلف مناطق الأملاك الوطنية البحرية والمياه والغابات. كما تشمل النقـــل بالسكك الحديدية والنقل البحري والجوي والبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية وأملاكا أخرى محددة في القانون.
[2] نادية ضريفي: تسيير المرفق العام و التحولات الجديدة، مرجع سابق،ص:24.
[3] المرجع نفسه، ص:24.
[4] المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، مرجع سابق، ص 17.
[5] سعيد بو الشعير: النظام السياسي الجزائري، الجزء الثاني، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2013، ص 5.
[6] الأمر 75-31 المؤرخ في 29 أفريل 1975 والمتعلق بالشروط العامة لعلاقات العمل في القطاع الخاص (ج.ر.ج.ج، العدد 39، التاريخ:16-05-1975). وهو القانون الذي كان ينظم ممارسة الحق النقابي داخل المؤسسات والشركات الخاصة وقد شكّل مرجعا رئيسا لمرحلة ما بعد التصديق على دستور 1989.
[7] قانون رقم:16-01 المؤرخ في 06 مارس 2016 (ج.ر.ج.ج، عدد 14، تاريخ: 07/03/2016).
[8] كان التصديق على اتفاقية نيويورك لعام 1958 ضمن التوجه الحكومي لإصلاح المؤسسة العمومية الاقتصادية العام 1988 (المشرع الجزائري تحدث في القانون رقم: 88-01 – القانون التوجيهي للمؤسسة العمومية الاقتصادية- وللمرة الأولى عن اللجوء إلى التحكيم التجاري الدولي). وهي أحد أهم الاتفاقيات الدولية التي تعنى بتنظيم المنازعات التجارية و ضمان الاستثمارات على الصعيد الدولي.
[9] جاء بنص المادة 150 من الدستور الجزائري (دستور 2016) الآتي: "المعاهدات التي يصدّق عليها رئيس الجمهورية، حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور، تسمو على القانون".
[10] جاء بنص المادة:43/ ف:1 من القانون رقم:16-09 الآتي: "حرية الاستثمار والتجارة معترف بها وتمارس في إطار القانون".
[11] قامت السلطات العمومية بتحديث القانون الجبائي، كما قامت بتعديل و تتميم القانون الجمركي بموجب أحكام قانون جديد(قانون رقم:17-04 مؤرخ في 19 جمادي الأول 1438 الموافق لـ16 فبراير 2017، المعدل و المتمم للقانون رقم:79-07 مؤرخ في 26 شعبان 1399 الموافق لـ21 جويلية 1979 و المتضمن قانون الجمارك- ج.ر.ج.ج،العدد 11، التاريخ:19 فبراير 2017).
[12] يعتبر القانون رقم:16-09 و المتعلق بترقية الاستثمار، المؤرخ في 29 شوال 1437 الموافق لـ03 أوت-غشت-2016(ج.ر.ج.ج، العدد 46، تاريخ 03 أوت 2016) أهم قانون محفز للاستثمار الوطني والأجنبي على حد سواء.
[13] اختار المشرع الجزائري مصطلح الخوصصة على مصطلح الخصخصة أو الخاصيّة( و هي مصطلحات مستعملة في المشرق و الخليج العربيين).
[14] نص المادة 62 من القانون رقم:15-18 المؤرخ في 18 ربيع الأول 1437 الموافق لـ30 ديسمبر 2015 و المتضمن قانون المالية لسنة 2016(ج.ر.ج.ج، العدد 72، التاريخ:31 ديسمبر 2016) التي أوجبت على المؤسسات العمومية الاقتصادية التي تنجز عمليات شراكة عن طريق فتح الرأسمال الاجتماعي لفائدة المساهمة الوطنيّة المقيمة طبقا للتشريع الساري المفعول، الاحتفاظ بنسبة 34% من مجموع الأسهم أو الحصص الاجتماعية.
يمكن المساهم الوطني المقيم، بعد انتهاء مدّة (5) سنوات، و بعد اجراء المعاينة قانونا على احترام جميع التعهدات المكتتبة، رفع أمام مجلس مساهمات الدواة، خيار شراء الأسهم المتبقيّة.
في حالة موافقة المجلس، تتم عملية التنازل بالسعر المتفق عليه مسبقا في ميثاق الشركاء أو بالسعر الذي يحدده المجلس. تحدد كيفيات تطبيق أحكام هذه المادة، عند الحاجة، عن طريق التنظيم.
[15] هي شركات إدارة وتسيير الأسهم والقيّم المنقولة جاءت كنتيجة لتطبيقات الأمر رقم 04-01 المؤرخ في 20 أوت 2001 المتعلــــــــــق بتنظيـــــــــــــــــــم وتسيير وخوصصة المؤسسات العمومية الاقتصادية، وهو الأمر الذي حل الشركات القابضة (الهولدينغ) وعوضها بشركات تسيير مساهمات الدولة لفعاليتها في إدارة وتسيير المحافظ المالية للدولة.
ولمزيدٍ من الاطلاع على تطبيقات الأمر المذكور أعلاه انظر:-عبدالحفيظ بقة: الحماية القانونية للعامل في ظل الخوصصة والتسريح الاقتصادي، أطروحة دكتوراه علوم، جامعة باتنة، 2012-2013، ص 31-33.