التجربة الجزائرية في التأسيس لمنظومة قانون عام اقتصادي (المحاضرة السادسة)
التجربة الجزائرية في التأسيس لمنظومة قانون عام اقتصادي
(المحاضرة السادسة)
أهمية المحاضرة: تتحدد أهمية المحاضرة السادسة بعنوان" التجربة الجزائرية" بالنسبة للطالب المسجل بالسنة الثالثة/حقوق/قانون عام في تمكين هذا الأخير من الاطلاع على التجربة الجزائرية في التأسيس لمنظومة قانونية أساسية تتعلق بالقانون العام الاقتصادي.
وهي التجربة المتميزة التي انطلقت من تاريخ الاعلان عن استعادة السيادة الوطنية العام 1962 و إلى غاية سنة 1989(تجربة أساسها وجود دولة الرعاية الكاملة) قبل الانتقال إلى تجربة الدولة المعدلة التي أسست لها التعديلات والتتميمات التي شملت قوانين الأملاك الوطنية والمناجم و الأنشطة التجارية و الاستثمار و المنافسة.
عناصر المحاضرة: للمحاضرة عناصر جد هامة فضلنا دراستها و تحليلها و توضيح مضامينها حتى يصبح هذا المقياس مستقطبا للطالب الجامعي ومنها:
-الاستثمار العمومي و توسيع دائرة القانون العام الاقتصادي في الجزائر.
-الدور الاجتماعي للدولة و تعزيز القطاع العمومي الاقتصادي.
-المؤسسة العمومية الاقتصادية و الاصلاحات الاقتصادية.
أسئلة المحاضرة: ومِن الأسئلة التي فضلنا طرحها ضمن هذا المحور من الدراسة(المحاضرة الثانية) لتكون موضوع تحليل ومناقشة و دراسة:
-ما المقصود بالاستثمار العمومي الذي اعتمدته الدولة الوطنية من تاريخ استعادة السيادة الوطنية و إلى غاية تاريخ التعديل الدستوري لسنة 1989؟
-ما الدور الذي أسس له المرسوم التشريعي رقم 93-12 المتعلق بترقية الاستثمار في التأسيس لمناخ أعمال جديد بعد سنة 1993؟
الهدف من المحاضرة: يتحدد الهدف من تدريس المحاضرة في تمكين الطالب الجامعي مِن الوقوف على خصائص ومميزات المرحلة التي أسست لها الاصلاحات الاقتصادية في الجزائر و الانتقال السلس من الدولة المتدخلة إلى الدولة المُنظمة.
تقديم؛
وجدت أول سلطة سياسية جزائرية منبثقة عن حرب التحرير (1954-1962) نفسها، بعد الاستفتاء على تقرير المصير، وإعلان قيام الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بتاريخ الخامس من شهر جويلية 1962، والاعترافات الدّولية بالدولة الجزائرية المستقّلة، أمام تحديات اقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية صعبــــــــة وصعبة جدا فرضت عليها ضبط أولويات الاستقلال حتى تتمكن من مواجهة الحرب القذرة التي أعلنتها المنظّمة العسكرية السريّة (Organisation de L’armée secrète) ضد الشعب الجزائري، من تاريخ الإعلان عن قف إطلاق النار بتاريخ 19مارس 1962 وإلى غاية الخامس جويلية 1962،[1] وكذلك بعد الهجرة الجماعية للأوروبيين وتخليهم عن المصـــــانـع والورشات والإدارات التي كانوا يحتلونها غدرا وعنوة على حساب العنصر الجزائري الذي كان ممنوع الولوج لأغلبها.[2]
ولأهميّة التجربة الجزائرية في التأسيس لمنظومة قانونية للإدارة وتسيير رؤوس الأموال التجارية التابعة للدولة في الجزائر فضلت التقسيم الآتي لعناصر هذا الفصل إلى مبحثين، أتناول التأسيس لأول لمنظومة قانونية-اقتصادية للدولة المستقّلة(الحقبة الزمنية الممتدة من سنة 1962 و إلى غاية 1988) بعنوان: أولوية التأسيس لمنظومة قانونية-اقتصادية جزائرية (المبحث الأول)، على أن استعرض بعد ذلك الموضوع المتعلق بالصيّغ القانونية لتسيير وإدارة رؤوس الأموال التّجارية التابعة للدّولة(المبحث الثاني).
لمزيدٍ من التّوضيح بشأنِ التّأسيسِ الأول لِما أصبح يُعرفُ بالمنظومةِ القانونية- الاقتصادية الوطنية على مدار الفترةِ الزّمنية الأولى التي أعقبت الإعلانَ عن استعادةِ السّيادةِ الوطنية، وقع اختياري على التّقسيمِ الآتي لهذا المبحث؛ المطلب الأول: ظروفُ التّأسيس لأوّلِ منظومةٍ قانونية – اقتصادية للدّولة المستقلّة؛ والمطلب الثّاني: الدّولة وتكييفُ المنظومةِ القانونية وِفق آلياتِ السّوق.
ظروف التأسيس لأول منظومة قانونية–اقتصادية للدّولة الجزائرية
لا خلاف حول أنّ السّداسي الثّاني من سنة 1962 لم يكن يسيرًا على أوّلِ حكومةٍ منبثقةٍ عن حرب التّحريرِ في ظلِّ التّحدّياتِ الدّاخلية (أولوية بناء الدولة الجزائرية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتجاوز الآثار السلبية للحقبة الاستعمارية التي دامت 132 سنة من الاحتلال البغيض) والخارجية (المناورات الفرنسية ضد الدولة الجزائرية المستقّلة بغرض اجهاض الاستقلال). إلا أن إرادة النجاح تغلبت على الصعاب، فكانت المبادرة بإصدار القانون رقم:62-57 المؤرخ في 31 ديسمبر 1962 القاضي بتمديد العمل بالقوانين الفرنسية إلا "ما تعارضت بنودها والسيّادة الوطنية، أو هي ماسة بالحريات الديمقراطية، أو أن تكون ذات مضمون "كولونيالي" أو تمييزي" (المادة الثانية من القانون رقم: رقم:62-57 المؤرخ في 31 ديسمبر 1962).[3]
قسّمتُ هذا المطلب إلى فرعين؛ أتناولُ الموضوعَ المتعلِّق بالقوانينِ المتضمِّنةِ الأملاكَ الشّاغرة والتّسييرَ الذّاتي، وبدايةَ التّأسيسِ لاقتصادٍ عمومي محورُه الدّولة في (الفرع الأول)، على أن أتناولَ في مرحلةٍ ثانية المؤسّسةَ العمومية الإدارية والصّناعية والتّجارية كأداةٍ قانونية لتدخُّلِ الدّولة في النّشاطاتِ الاقتصادية في (الفرع لثاني).
الفرع الأول: حماية الأملاك الشاغرة وتكريس نظام قانوني ينظم القطاع المسيّر ذاتيا
بادرت الحكومةُ الجزائرية بإصدار حُزمةٍ من الأوامرِ والمراسيـم التي كان من شأنِها منعُ انتقالِ أمـوالِ وممتلكاتِ الأوروبيينَ ومؤسّساتِهم وشركاتِهم وورشاتِهم الصّناعيّة إلى مِلكية الأفراد، حفاظًا على الاقتصادِ الوطني وركيزتِه "القطاع العامّ"،[4] بالإضافةِ إلى التّبنّي الرّسمي للمؤسّسةِ العمومية كأداةٍ إداريةٍ واقتصادية للدّولة الجزائرية المستقلّة. وهو ما أكّدهُ الأستاذُ الباحث محمد بوسومة المختصُّ في قانون المؤسّسات) بقوله: "تُعَدُّ المؤسَّسةُ العمومية، ودون أدنى شكّ، أوّلَ هيئةٍ إداريةٍ واقتصاديةٍ شبهَ- حكومية التي رأتِ النّورَ ضِمنَ النّظامِ التّشريعي للجزائرِ المستقلّة".[5] وسندُه في ذلك إصدارُ السُّلطاتِ العمومية الممثَّلة في اللجنةِ المؤقّتة المكلَّفة بإدارةِ شؤونِ الدّولةِ المستقلّةِ حديثًا، لأمريةٍ بتاريخ 12 جويلية 1962، وتخصُّ تنظيمَ سوقِ الحبوب، بالاعتمادِ على الدّيوانِ الوطني بين المِهن الخاصِّ بالحبوب، في تحقيقِ وإدارةِ السّياساتِ العامّـة في مجال الإنتاجِ وتوريدِ وتخزينِ الحبوب. وهي المؤسّسةُ العمومية الإدارية التي بقيت محتكِرةً، وإلى يومنا هذا، لكلِّ ما لهُ علاقةٌ بالحبوب (هذا ما يؤكِّدُ عدمَ تنازلِ الدّولة عنِ احتكارها لتوريدِ القمحِ إلى تاريخنا هذا، باعتبارهِ مادّةً أساسيةً واستراتيجية بالنّسبةِ للدّولةِ الجزائرية).
- المرحلة الأولى من التّأسيس لمنظومةٍ قانونية للمُنشأة العمومية الاقتصادية
جاء الأمر رقم 62-02 الصادر بتاريخ 24 أوت 1962 المتعلق بتسيير وحماية الأملاك الشاغرة ليؤكد خيار الدولة الجزائرية المتمثل في بناء نظام عام اقتصادي جديد مغاير للنظام الاقتصادي الذي حاول الاحتلال الفرنسي فرضه على الشعب الجزائري يعتبر المؤسسة العمومية الادارية والاقتصادية الأداة القانونية المفضّلة لديه في مواجهة متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بقيادة الدولة باعتبارها صاحبة السلطة والسيادة. وهو الخيارُ الاقتصادي الذي تدعَّمَ بالعديد من المراسيمِ التي تنظِّمُ المؤسَّسةَ المسيَّرةَ ذاتيًا، جاءت على النّحو الآتي: - المرسوم رقم 62- 02 الصّادر بتاريخ 22 أكتوبر 1962 والمتعلِّقِ بلجان التسيير الذاتي في المؤسسة الزراعية الشاغرة؛- المرسوم رقم 62-38 الصادر بتاريخ 23 نوفمبر 1962 والمتعلق بلجان التسيير في المؤسسة الصناعية الشاغرة؛- مراسيم 22 و28 مارس 1963 والمتعلقة بتنظيم القطاع المسيّر ذاتيا.
وبالعودة إلى الأمرية الخاصة بتنظيم الأملاك الشاغرة، يسجل الباحث في التاريخ الاقتصادي للجزائر في هذا الشأن، أن مرسوما جديدا يحمل رقم 63-88 الصادر بتاريخ 18 مارس 1963، والمتعلق بتنظيم الأملاك الشاغرة قد جاء ليجيب على بعض الأسئلة التي طرحت بخصوص التكييف القانوني لأحكام الأمرية الخاصة بالأملاك الشاغرة.
والحقيقة أنني لم أجد مرجعا جزائريا يقدم شرحا قانونيا وافيا للفظ" ملك شاغر" الذي يقابله باللغة الفرنسية لفظ"Un Bien Vacant" إلا ما قدمه الأستاذ المحامي بمجلس قضاء الجزائر (نقيب سابق لمنظمة المحامين الجزائريين) الطيّب بلولة في مؤلف قيّم بعنوان: "قانون العمل" صادر باللغة الفرنسية عن منشورات دحلب بالجزائر العاصمة (محامي ومؤلف للعديد من الكتب باللغتين العربية والفرنسية حول مختلف أوجه القانون الاجتماعي بالجزائر)[6] بتأكيده على أن "الملك الشاغر" اصطلاحا إنّما يعود للسنوات الأولى من الاحتلال الفرنسي، حيث استعمل هذا اللفظ، وللمرّة الأولى، بتاريخ 21 سبتمبر 1832 من قبل المقتصد المدني"Genty de Bussy" في قرارِ مُصادَرة صادرٍ عنه، وقد استند في قراره هذا إلى ما جاء بنصِّ المادّة 713 من القانون المدني الفرنسي ومضمونها: "إنّ كلَّ مُلكٍ ليس له مالك هو مٌلكٌ للدّولة".
وبالرجوع إلى نص المادة الثانية (2) من المرسوم رقم :62-02 الصادر بتاريخ 24 أوت 1962 والمتعلق بتسيير وحماية الأملاك الشاغرة، فإنّ الباحثَ يجدُ أنّ حالةَ الشّغورِ إنّما تتحدّدُ بتوافرِ شرطينِ اثنين وهما:
- الشّرطُ الأول: من حيث تركُ المالكِ للمُلكِ محلَّ الإحصاء: اعتبرَهُ المرسومُ المعني بتسييرِ وحمايةِ الأملاكِ الشّاغرة كلَّ مُلكٍ أو مالٍ قد عُيِّنَ شغورُه بتاريخ 22 مارس 1963، وكان محلَّ إحصاءٍ وجردٍ بتلك الصّفة طبقًا لِما جاء بنصِّ المادّة الثّانية من هذا الأمر.
وهو ما يعني أنّ مالكَ المُلكِ أو المال يكون خارجَ الجزائر بتاريخ 22 مارس 1963، وأن يكون هذا الأخيرُ قد تخلّى عن مُلكِه أو مالِه بسبب مغادرتِه التّرابَ الوطني؛
- الشرط الثّاني: من حيث الاستغلال لهذا المُلك أو المال: أن يكون المُلكُ المتخلّي عنه في حالة شللٍ أو تخلٍّ جزئي أو عدم استغلال بشكل تامّ قبل تاريخ 22 مارس 1963.
هذا وقد تعزّز هذا المرسوم رقم :62-02 الصادر بتاريخ 24 أوت 1962، والمتعلّقُ بتسيير وحمايةِ الأملاكِ الشّاغرة، بمرسومٍ جديد ورقمه:63-88، صادرٍ بتاريخ 18 مارس 1963 والمتعلّق بتنظيم الأملاك الشاغرة.[7] وهو المرسوم الذي جاء تلبيةً لحاجة المؤسّسة المسيّرة ذاتيًا في إدارتِها وتسييرها للمزارع الفلاحية وللعديد من الورشات الصّناعية التي استولى عليها العمال بدعوة من منظمة الاتحاد العام للعمال الجزائريين التي كانت منظمة جماهيرية تابعة تنظيميا لجبهة التحرير الوطني بغرض ضمان عدم توقفها عن الانتاج، بالإضافة إلى الرغبة في ضمان الموسم الزراعي 1962-1963 من جهة، وتموين أسواق الاستهلاك اليومي للمواطنين الجزائريين من جهة ثانية.
- أهمّ الإجراءات التي أسّست للقطاع العامّ الاقتصادي في الجزائر
ومن الإجراءاتِ الإضافية والمكمّلة للاستقلال الوطني من الناحية الاقتصادية التي بادرت بها الجزائر المستقلّة بغرض عدم ترك أي فراغ قد تستغّله القوى المعادية للثورة والتّأسيس لقانونٍ عام اقتصادي بالجزائر المستقلّة، الآتي:- إنشاءُ أول ديوان وطني جزائري للسياحة بتاريخ 25 أوت 1962؛- إنشاءُ أول مكتب وطني للنفط بتاريخ 25 أوت 1962 الذي أسهم في التأسيس للشركة الوطنية "سوناطراك" من خلال شراء أسهم كثيرة كانت تمتلكها شركة "سان ريبال الفرنسية".
وبتاريخ 31 ديسمبر 1963 قام الرئيس أحمد بن بلّة رحمه الله بالإمضاء على المرسوم رقم:63-491 المؤسّس للشركة الوطنية لنقل وتسويق النفط. وفي إطار استكمال التأسيس للشركة الوطنية (سوناطراك) قام الرئيس هواري بومدين رحمه الله بتاريخ 22 سبتمبر 1966 بإصدار قرار توسيع صلاحيات الشركة الوطنية (سوناطراك) لتشمل من هذا التاريخ المؤسّس للاستقلال النفطي بالجزائر، كل من أعمال البحث، والاستغلال الصّناعي، والتجاري للآبار النفطية الصلبــــة والسائلة منها، وكذلك بكل ما يخصّ آبار الغاز وجميع مكوناتها.
ومن أبرزِ القراراتِ الثّورية لمجلس قيادةِ الثّورة والحكومة، المتعلِّقةِ بدعم الشّركة الوطنية للنّفط (البترولُ ومشتقّاتُه):
- الرّفعُ من قيمةِ الرّأسمالِ الاجتماعي لشركةِ (سوناطراك) من أربعينَ مليون فرنك جديد (40 millions de nouveaux francs) إلى قيمة 400 مليون دينار جزائري؛
- إنشاءُ مؤسَّسة ميناء الجزائر بتاريخ 22 أوت 1962، والسّعيُ التّدريجي والمتواصل لجزأرةِ التّسييرِ الإداري والبشري للإدارةِ المينائية بالجزائر؛
- إنشاءُ أوّلِ ديوانٍ وطني لليدِ العاملة بموجِب مرسومٍ صادرٍ بتاريخ 22 نوفمبر 1962، والذي كان الهدفُ من إنشائِه امتصاصُ طلباتِ العملِ المتزايدة، وتمكينُ الدّولة من الإشراف المباشرِ على كلِّ ما يتعلّقُ بالتّشغيلِ وتكوينِ اليدِ العاملة الجزائرية، بالإضافةِ إلى إنشاءِ الدّيوانِ الوطني للتّجارة بموجِب مرسومٍ صادرٍ بتاريخ 13 ديسمبر 1962؛
- إنشاءُ أوّلِ بنكٍ جزائري (البنكُ المركزي الجزائري) بموجِبِ قانون رقم 62-144، مؤرّخ في 13 ديسمبر 1962، بالإضافةِ إلى اعتمادِ الدّينارِ الجزائري كوحدةِ عملةٍ وطنية للجزائر بتاريخ الأوّل من شهر أبريل 1964، وإلغاءِ العملِ نهائيًا بوحدةِ عملةِ الفرنك الجزائري الجديد (Le nouveau franc Algérien) الذي كانت له نفسُ قيمةِ الفرنك الفرنسي الجديد (Le nouveau franc français )؛
- الانطلاق في عملية التأميم للمناجم انطلاقا من سنة 1966 (السادس من شهر ماي 1966) المتواجدة على مستوى التراب الوطني (الونزة وبشار القنادسة وعين الدفلى..) بغرض التأسيس لقاعدة اقتصادية عمومية في مجال الصّناعة الثقيلة تؤهّل الجزائر لمرحلة الصّناعات الثقيلة (مركب الحجار نموذجا..).
تعكس قرارات إنشاء الدواوين المختلفة، واعتماد المؤسسة العمومية الادارية والاقتصادية، وتأسيس بنك مركزي جزائري من طرف أول سلطة سياسية جزائرية خالصة، بعد ما لا يقل عن 132 سنة من الاحتلال الفرنسي، أن خيار المؤسسة العمومية الإدارية والاقتصادية سيكون هو السائد بالنسبة للسلطات العمومية التي لم تخف تبنيها للدولة الاشتراكية القائمة على الاقتصاد العمومي بقيادة الدولة من جهة، ومن جهة ثانية تكريسها القانوني لخيار الملكية العامة لوسائل الانتاج على مدار الفترة الزمنيّة الممتدة من 1962 وإلى غاية 1965-1966.
الفرع الثاني: المؤسسة العامة الادارية والاقتصادية كأداة قانونية لتدخل الدولة
وهو الخيار الاقتصادي والاجتماعي الذي قام مجلس قيادة الثورة والحكومة باعتماده والتوّسع فيه، بعد تاريخ 19 جوان 1965، من خلال التركيز على القطاع العمومي كقاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك بالاعتماد على النماذج الآتية من المؤسسة العامة الادارية و الاقتصادية:
- المؤسسة العامة الإدارية (Etablissement Public Administratif):وهي النموذج المؤسستي الذي قرر مجلس قيادة الثورة و الحكومة الابقاء عليه بالنظر لأهميّته في تأكيد تواجد الدولة على مستوى تراب الجمهورية، من خلال الأعمال و الخدمات المنتظمة التي كانت تضمنها المؤسّسة العامة الادارية على مستوى البلديات والقرى والمناطق النائية(إصلاح وصيانة دورية ومنتظمة للطرق، والمدارس، وتوزيع الماء ونظافة الأحياء.. إلخ)، أو على مستوى ضمان الخدمات المتعلقة بالنظافة والإنارة العمومية، والإطعام المدرسي، وتمثل هذا الاختيار في إصدار رئيس مجلس الوزراء أمرية (Une Ordonnance) خاصّة بالمؤسسات العمومية الادارية تحتوي على 23 مادة موزعة على النحو الآتي:*تحديد الطبيعة القانونية للمؤسسة العامة الادارية، وضبط وصايتها الادارية العليا، وكذلك القانون الذي تخضع له في علاقاتها مع الغير (المادة الثانية)، بالإضافة إلى كيفية إنشاء المؤسسة العامة الادارية، وتعديل نظامهـــــــــا القانوني، وتحديد مواردها المالية(المادة الثالثة)، وتحديد مقرها الاجتماعي الذي لا يمكن أن يكون إلا بالجزائر(المادة الخامسة). و قد تضمنت الأمريّة كذلك التنظيم الاداري للمؤسسات العمومية الادارية(14 مادة)، والتنظيم المالي (09 مواد).
وبالرجوع لنصِّ المادّة الأولى من الأمرية الخاصة بالمؤسّسة العامّة الإدارية يستشفُّ الباحثُ في قانون المؤسّسات أنواعَ الحمايةِ القانونية التي أقرّها المشرع الجزائري المتمثل في مجلــــس قيــادة الثـورة والحكومة (الفترة الممتدة من تاريخ 19 جوان 1965 وإلى غاية التّصديق على دستور 1976) للمؤسّسة العمومية الإدارية حتى تقوم بواجباتها نحو المجتمع باعتبارها الأداة القانونية للدولة (صاحبة السلطة والسيادة)، والتي جاءت على النّحو الآتي:
- المؤسسة العمومية الادارية هي شخص معنوي يتمتع بالاستقلالية المالية؛
- المؤسسة العامة الإدارية هي مؤسسة تكلَّف بتسيير مرفق عمومي إداري ولا تمارس بشكل عادي أي نشاط تجاري (وتأتي المادة الثانية لتؤكّد على أن المؤسسة العامة الإدارية، هي تحت وصاية الوزارة التي لها علاقة بنشاطها، وأن تسييرها وعلاقاتها مع الغير تخضع بشكل عادي للقانون العام)؛
- المؤسّسة العامة الإدارية تتمتع بصلاحيات السلطة العمومية ومستخدموها يخضعون للقانون الأساسي العام للوظيفة العمومية.
و من أشكال الحماية القانونية الإضافية التي منحها المشرع الجزائري للمؤسسة العامة الإدارية لكونها تشكّل أحد أهم الأدوات القانونية للتدخل في النشاط الاقتصادي:
-أنّ المشرع قد مكنّها من التواجد على مستوى تراب الجمهورية باعتبارها رمزًا من رموز الدولة (أعوانها من قطاع الوظيفة العمومية: توظيفا ومرتبا وترقية وحماية قانونية أثناء تأدية الوظيفة الادارية والاقتصادية)؛
- أخضعها للقانون العام (الخضوع للقانون العامّ يعتبر حمايةً إضافية للمؤسّسة العامّة الإدارية)؛
- حماها من الحلّ الإرادي (المقصود بالحل الإرادي أن يقوم أعوانها وموظفوها بطلب الحلّ)، والقضائي (منعُ أيّ حلٍّ قضائي للمؤسّسة العامّة الإدارية)، والإفلاس (الدولة هي التي تضمن تمويلها ومرتبات أعوانها)، والتسوية القضائية (منع المتابعة القضائية للمؤسسة العامة الإدارية).
- المؤسسة العمومية ذات الطابع الصناعي أو التجاري (Etablissement Public à caractère Industriel ou Commercial): وهي أحد أهم المؤسسات العمومية الصّناعية والتجاريّة التي أبقت عليها دولة الاستقلال سيّما بعد سنة 1965، بعد أن تمّ التأكيد على خيار إدارة الدولة للشأن الاقتصادي من منطلق دولة الرعاية الكاملة، وذلك للعديد من الاعتبارات أهمها:- المؤسسة العمومية ذات الطابع الصّناعي أو التجاري لديها قابلية واسعة للتأقلم مع النظامين الاشتراكي أو الرأسمالي على حد سواء. فهي مؤسّسة عمومية مزدوجة الأداء وبالتالي فهي أساسية في النظام الليبرالي سيّما في فترة الأزمات الاقتصادية، أو عند إحجام القطاع الخاص على الاستثمار في قطاعات نشاط لا تحقق له الربح المضمون وقد اعتمدت الحكومات الفرنسية المتعاقبة من سنة 1918 وإلى غاية يومنا هذا على هذا النموذج من المؤسسة الذي يسمح للدولة أن تكون متواجدة في قطاع الانتاج أو التصنيع أو التجارة دون أن يعني هذا التواجد إخلالا بقواعد السوق؛
- المؤسسة العمومية ذات الطابع الصّناعي أو التجاري تبقى، ومن وجهة نظر قطاع واسع من فقهاء القانون الاقتصادي، وإلى غاية تاريخنا هذا، تبقى" الأكثر الأشكال شيوعا التي تسمح لتدخل الدولة في النشاط الصّناعي والتجاري للحيلولة دون الإخلال بالتوازنات الاقتصادية والاجتماعية"؛[8]
- تخضع تعاملات وعقود المؤسسة العمومية الصّناعية أو التجاريّة مع الدولة أو أحد تفرعاتها أو مع المؤسسات العامة الإدارية أو المؤسسات العمومية الاقتصادية للقواعد والأحكام والبنود المنظّمة للقانون العام، لكّنها عندما يكون تعاملها مع القطاع الخاص أو الأفراد فهذه الأخيرة (المقصود بالمعاملات أو العقود..) يخضعها المشرع الجزائري لقواعد القانون التجاري.
- أعوان المؤسسة العمومية الصّناعية أو التجاريّة لا يخضعون للقانون الأساسي العام للوظيفة العمومية(الأمر رقم:06-03 المؤرخ في 19 جمادي الثانية 1427 الموافق لـ15 يوليو 2006) و بالتالي فهم ليسوا أعوانا عموميين،[9] وإنّما يخضعون لنظامٍ اتّفاقيٍ خاصٍّ بهم.
- المؤسسة العمومية الاقتصادية Etablissement Public Économique)
وهي المؤسّسة العمومية الاقتصادية التي خصّها المشرعُّ بترسانةٍ قانونية، ابتداءً من تاريخ الخامس من جويلية 1975، تاريخ دخول الأمر رقم 73-29، المؤرّخ في الخامس من جويلية 1973 حيّز النّفاذ (وهو الأمر الذي ألغى القانون رقم 62-57، المؤرّخ في 31 ديسمبر 1962)، وأهمُّها:
- الأمر رقم 71-74، المؤرّخ في 16 نوفمبر 1971، المتعلّق بالتّسيير الاشتراكي للمؤسّسات (الذي يُعتبرُ فاتحةَ قوانينِ العمل في الجزائر، لاسيَما فيما يتعلّقُ بتحديدِ مفهومِ العامل، وتكريسِ مبدأِ المساواةِ بين العمّالِ في الحقوقِ والالتزامات)،[10] وقد أُقِرّت بموجب هذا الأمر تسمية "المؤسسة الاشتراكية" ((Enterprise Socialiste؛
- الأمر رقم 75-31، المتعلّقُ بالشّروطِ العامّة لعلاقات العملِ في القطاع الخاصّ (وهو القانونُ الذي جاء لتنظيمِ علاقاتِ العمل في القطاعِ الخاصّ وِفقَ معاييرِ العملِ الدّولية في مجالاتِ ممارسةِ الحقِّ النّقابي والإضرابِ والمفاوضةِ الجماعية)؛
- القانون رقم 78-12، المتضمِّن القانونَ الأساسي العامّ للعامل، المؤرّخ في الخامس أوت 1978 (وهو القانونُ الذي لم يتمَّ تطبيقُه إلّا في حدودِ سنة 1984-1985، للعديدِ من الأسبابِ الموضوعيةِ اللصيقة بالانتقالِ السّياسي بعد وفاةِ الرّئيس هواري بومدين رحمهُ الله ومجيءِ نظامٍ سياسي جديد بقيادةِ الرّئيس الشاذلي بن جديد طيّب الله ثراه، والذي كانت له نظرةٌ مغايرة للاقتصادِ العمومي تتميّزُ بالمرونةِ ومحاولةِ تنويعِ الاقتصادِ الجزائري نحو المزيدِ من الانفتاحِ على القطاعِ الخاص)؛
- قانون رقم: 88-01 الصادر بتاريخ 12 جانفي 1988 والمتضمن القانون التوجيهي للمؤسسات العمومية الاقتصادية (وهو أول قانون يجعل من المؤسسة العمومية الاقتصادية كيانا قانونيا صاحب ذمّة مالية مستقّلة، ويتمتع هذا الكيان القانوني الجديد بالحق في التعاقد والتملك والتقاضي، وهو أول قانون إصلاحي يفصل بين حق ملكية رأس المال من طرف المؤسسة وصلاحية الإدارة والتسيير فيها[11] في ظل الدولة الاشتراكية).
إنّ أهمّ خلاصة يخلص إليها الباحث في القانون العام الاقتصادي للفترة الممتدة من سنة 1962 وإلى غاية 1988 تتحدد في الأفكار الرئيسة الآتية:
- إنّ الدولة باعتبارها ممثلة للسلطة العامة كانت تضفي حماية قانونية واسعة للمؤسسة العامة الإدارية والاقتصادية منها دون أدنى تحفظ لكونها كانت تعتبرها ذراعها الاجتماعي في المجتمع (Comme son bras social dans la société) الذي لا يمكن تركه لقواعد وآليات السوق؛
- كانت الدولة تعتبر نفسها معنية بالنشاط الاقتصادي في المقام الأول، فهي التي كانت تشرف على مخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المخططـــــــات الخماسيـة والرباعية والثلاثية)، كما كانت تشرف على كل ما يتعلق بتعيين طواقم ادارة وتسيير المؤسسات العمومية الإدارية والاقتصادية على حدٍّ سواء، من منطلق مفهومِ السُّلطةِ العمومية؛
- إنّ الدولة باعتبارها سلطة متدخلة كانت تتحمل على عاتقها (الخزينة العمومية) كتلة أجور ومِنح العمال والموظفين وكافة توابع التشغيل والتوظيف؛ كانت الدولة-التي تقود و تشرف على برامج التنمية- تحمي المؤسسة العامة الإدارية والاقتصادية من الإفلاس.
أسئلة مختارة
س1: ما السبب الاقتصادي الذي كان وراء اختيار الجزائر في ظل النظام الاشتراكي للشركة الوطنية كأداة تدخل قانونية لتنفيذ برامج التنمية الوطنية؟
س2: ما سر تواجد الشركة الوطنية في النظامين الاشتراكي و الرأسمالي؟
س3: ما المقصود بالقول: إن الدولة الاشتراكية كانت تحتكر التجارة الداخلية والخارجية وإلى غاية تاريخ التعديل الدستوري لعام 1989؟
س4: ما المقصود بالتأميم؟
س5: ما المقصود بالخوصصة؟
س6: ما الدور الاقتصادي والاجتماعي للمجلس الوطني الاقتصادي و الاجتماعي قبل أن يعاد صياغة التسمية إلى المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي و البيئي سنة 2021؟
[1] شاركت المنظمة العسكرية السريّة في حرق وتخريب كل ما قد يساعد الدولة الجزائرية المستقلة بدءا بمراكز الضمان الاجتماعي المتواجدة في كل من الجزائر و قسنطينة ووهران، وتفخيخ الموانئ البحرية ومنها التفجير الكبير لميناء الجزائر بتاريخ الثاني من شهر ماي 1962 ، و كذلك حرق و نهب المكتبة الجامعية لجامعة الجزائر، بالإضافة إلى ما كانت تقوم به من قتل للجزائريين و لكل من كانت ترى فيه عنصر دعم للجزائر المستقلة.
[2] جاء في أطروحة دكتوراه دولة للدكتور محمد صغير بعلي(كلية الحقوق-جامعة الجزائر 1) مرجع سبقت الإشارة إليه ،ص:8، الآتي: "حيث رحل ما يقارب 95% من الأوروبيين الذين كانوا بالجزائر، بينهم عدد كبير من الإطارات، إذ كان عدد الأوروبيين الناشطين يقدر بـ300.000 كانوا يتوزعون على النحو الآتي:-33.000 من أصحاب وملاك المنشآت بمختلف أشكالها (ويعني ذلك أن العنصر الأوروبي كان يسيطر سيرة تامة و نافذة على النشاط الاقتصادي بالجزائر تحت الاحتلال الفرنسي)؛-15.000 من الإطارات السامية (المقصود بالسامية الكوادر الادارية والتسييرية والمالية العالية الكفاءة) ومن ذوي المهن الحرّة (محامين ومحضرين قضائيين وخبراء ومترجمين و أعوان محاكم...)؛ 100.000 من الإطارات المتوسطة والموظفين (نسبة التوظيف في الوظيفة العمومية كانت شبه- منعدمة بالنسبة للعنصر الجزائري)؛ 35.000 من العمال المتخصصين (عمالة ماهرة في كافة مناحي العمل (الكهرباء والغاز والنجارة والحدادة والطباعة والنقل بالسكك الحديدية..). وتعكس هذه الأرقام درجة الاقصاء للعنصر الجزائري في النشاط الاقتصادي والاجتماعي والخدمي وكذلك في قطاع الأعمال الحرة.
[3] وهو القانون الذي كان محلّ إلغاء بموجب الأمر رقم:73-29 المؤرخ في 5 جويلية 1973 (دخل هذا القانون حيّز النفاذ بتاريخ 5 جويلية 1975)
[4] محمد صغير بعلي، أطروحة دكتوراه دولة، مرجع سابق، ص :9.
[5] « L’établissement public est sans aucun doute la première institution administrative et économique infra-étatique à voir le jour dans l’ordre juridique de l’Algérie indépendante », Mohamed BOUSSOUMAH ; l’Établissement public, op cit, p : 3.
[6] « Paradoxalement, la notion de bien vacant est d’origine française. Elle est apparue pour la première fois en Algérie, le 21 septembre 1832 par l’arrêté de l’intendant civil Genty de Bussy. L’arrêté se referait au code civil français, art, 713, en vertu duquel » les biens qui n’ont pas de maitre appartiennent à L’État ».
-Tayeb BELLOULA, droit du travail, collection-droit pratique, éditions DAHLAB, Alger, Algérie, p : 45.
[7] لمزيد الاطلاع على الموضوع المتعلق بالملاك الشاغرة، أنظر:- بوزيدي آمنة و داود فريال: مفهوم الأملاك الشاغرة في القانون الجزائري و اجراءات إدراجها ضمن الأملاك الوطنية الخاصة للدولة، مذكرة تخرج لنيل إجازة المدرسة العليا للقضاء، الجزائر، الدفعة 16، السنة التكوينية:2005-2008.
وهي دراسة معمقة جاءت شبه شاملة للموضوع المتعلق بالأملاك الشاغرة وموقف المشرع الجزائري من الحماية القانونية لهذه الأملاك.
[8] وهي الخلاصة البحثية التي خلص إليها كل من:- رشيد واضح: المؤسسة في التشريع الجزائري بين النظريّة والتطبيق، دار هومة للنشر والتوزيع، الجزائر، 2002، ص:62؛- محمد الصغير بعلي: المؤسسات العمومية في التشريع الجزائري، مرجع سابق، ص:17.
[9] جاء بنص المادة 4 من الأمر رقم:06-03 المؤرخ في 19 جمادي الثانية 1427 الموافق لـ15 يوليو 2006 الآتي: "يعتبر موظفا كل عون عيّن في وظيفة عمومية دائمة و رسّم في رتبة في السلم الاداري.
الترسيم هو الاجراء الذي يتم من خلاله تثبيت الموظف في رتبته".
[10] سليمان أحمية: التنظيم القانوني لعلاقات العمل في التشريع الجزائري، مرجع سبقت الإشارة إليه، ص 47.
[11] رشيد واضح :المؤسسة في التشريع الجزائري بين النظريّة و التطبيق، مرجع سابق، ص:92.