درس
المحاضرة الثالثة: الطلاق التعسفي في الفقه الإسلامي وقانون الأسرة الجزائري
متطلبات الإكمال
المحاضرة الثالثة:
الطلاق التعسفي في الفقه الإسلامي وقانون الأسرة الجزائري
نشأت نظرية التعسف في استعمال الحق لإقامة التوازن بين الحقوق الفردية المتعارضة، أو بين الحق الفردي والحق الجماعي، وبناء على هذا فإن الإخلال بهذا التوازن بين المصالح الخاصة المتعارضة غير مشروع، فإذا أفضى استعمال حق فردي ولو كان مشروعا في ذاته إلى إلحاق مضرة راجحة كان هذا مناقضا لمقصود الشارع، لأنه لم يشرع الحق ليكون مصدرا لمفاسد راجحة، وإنما شرعه لتحقيق المصالح ودرأ المفاسد([1]).
ومنه لا بد أولا من بيان معنى التعسف في الطلاق لمعرفة وجه الفرق فيه بين المشروع وغير المشروع، وذلك من خلال ما يأتي:
أولا: الجانب الفقهي
الفرع الأول: مفهوم التعسف في الطلاق وضابطه
أولا: مفهوم التعسف في الطلاق
التعسف هو إساءة استعمال الحق بحيث يؤدي إلى ضرر بالغير([2])، وهو يعني بوجه عام استعمال الحق لتحقيق مصلحة غير مقصودة شرعا أو للإضرار بالغير مما يفوت مقصود الشارع من شرع الحق([3]).
يقول فتحي الدريني في بيان حقيقته وطبيعته:"يقوم التعسف في استعمال الحق على فعل مشروع لذاته، لأنه يستند إلى حق أو إباحة، ولكن هذا الحق استعمل على وجه يخالف الحكمة التي من أجلها شرع الحق، والمخالفة أو المناقضة تظهر من وجهين:
الأولى: من حيث الباعث الدافع الذي حرّك إرادة ذي الحق إلى أن يتصرف بحقه لتحقيق غرض غير مشروع، من الإضرار بالغير، أو هدم قواعد الشرع، بتحليل محرم، أو إسقاط واجب، تحت ستار الحق.
الثانية: من جهة النتيجة أو الواقعة المادية أو الثمرة التي تترتب على استعمال الحق بحدّ ذاتها، بقطع النظر عن العوامل النفسية، فإذا كانت تلك النتائج أضرارا أو مفاسد راجحة مُنع التسبب فيها؛ أي مباشرة الحق، ووجه المناقضة هنا ظاهر؛ لأن الحقوق لم تشرع وسائل لتحقيق مضار أو مفاسد غالبة، الأمر الذي لا يتفق مع أصل الشريعة، من أنها مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد"([4]).
والتعسف في استعمال الطلاق هو الخروج به عن الحكمة التي اقتضت تشريعه، بمعنى مناقضة قصد الشارع في رفع قيد النكاح حالا أو مآلا بلفظ مخصوص([5]).
وفيما يلي بيان لضابط التفريق بين الطلاق التعسفي والطلاق المشروع.
ثانيا: ضابط التعسف في الطلاق
مما سبقت الإشارة إليه في تقسيمات الطلاق أنه ينقسم إلى طلاق سني وطلاق بدعي([6])، ومع أن الطلاق جعل بيد الرجل إلا أنه مقيد بأن يكون للحاجة، والشارع لم يترك الأمر للتعسف في استعمال هذا الحق، بل جعل له قيودا شرعية -سيأتي ذكرها- لو اتبعت على وجهها الصحيح ما كان طلاق إلا حيث الحاجة النفسية الحقيقية، وسمي الطلاق في هذه الحدود بطلاق السنة، أي الذي جاء على طريقة السنة، ويقابله ما خرج عن قيوده الشرعية ويسمى بطلاق البدعة.
أ- طلاق السنة: وهو ما كان موافقا لكتاب الله وسنة رسوله r.([7]) وصورته أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يمسها فيه، وأن يطلقها طلقة واحدة، ويتركها حتى تنتهي عدتها، بمعنى أنه لا يتبعها طلاقا آخر قبل انتهاء عدتها([8]).
ب- طلاق البدعة: وهو ما كان مخالفا لكتاب الله وسنة رسوله r([9])، وصورته أن يطلق الرجل امرأته في الحيض أو في طهر مسها فيه([10])، أو أن يطلقها ثلاثا بلفظ واحد في طهر واحد([11]).
وضابط التفريق بين طلاق السنة وطلاق البدعة يتحقق بمدى التقيد بالقيود الشرعية في إيقاع الطلاق، قال ابن رشد:" أجمع العلماء على أن المطلق للسنة في المدخول بها هو الذي يطلق امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة واحدة، وأن المطلق في الحيض أو الطهر الذي مسها فيه غير مطلق للسنة"([12]). وعليه يكون الطلاق سنيا ومشروعا إذا لم يخرج الزوج في إيقاعه الطلاق عن القيدين الآتي ذكرهما([13]):
القيد الأول: ويتعلق بالزمن، وهو أن يوقع الزوج الطلاق في حال طهر الزوجة لا في حال حيضها، وأن يوقعه في طهر لم يمسها فيه.
القيد الثاني: ويتعلق بالعدد والوصف، بأن يطلق الزوج زوجته المدخول بها ثلاثا في ثلاثة أطهار في كل طهر تطليقة يستقبل الطهر استقبالا، فإن طلقها ثلاثا بلفظ واحد كان بدعيا.
ثالثا: حكم الطلاق التعسفي
يترتب على الخلاف -السابق ذكره- في أصل الطلاق الحظر أم الإباحة، خلاف الفقهاء في حكم استعمال الزوج لهذا الحق لغير حاجة ودون سبب مشروع، فهل يكون بذلك قد ناقض مقصد الشارع من مشروعية حق الطلاق، وبذلك يكون متعسفا في استعمال حقه؟.
غير أنه لم يرد في كتب الفقهاء القدامى لفظ الطلاق التعسفي، ولكنه مصطلح جديد، حيث تطرق الفقهاء المحدثون للحديث عن الطلاق التعسفي في كتب الأحوال الشخصية، ولكنهم اختلفوا فيما بينهم هل هناك تعسف في الطلاق أم لا، بناء على الاختلاف في حكم أصل الطلاق هل هو الحظر أم الإباحة على مذهبين:
المذهب الأول: ذهب بعض الفقهاء المحدثين، إلى أنه ليس هناك تعسف في الطلاق، وذلك بناء على أن الأصل في الطلاق الإباحة، وأن الله تعالى ملك الزوج حق الطلاق بالإرادة المنفردة فهو حر التصرف فيه([14]).
المذهب الثاني: ذهب عامة الفقهاء المحدثين إلى أن هناك تعسفا في الطلاق إذا طلّق الزوج زوجته بغير مسوغ شرعي، مستدلين على ذلك بأن الأصل في الطلاق الحظر، سواء من قال منهم بأن الحظر دياني أم قضائي([15]).
الفرع الثاني: صور التعسف في إيقاع الطلاق
إن الطلاق الذي لا خلاف في وقوعه هو أن يطلق الزوج امرأته في طهر لم يمسسها فيه طلقة واحدة، ويتركها حتى تنقضي عدتها فتصير هذه الطلقة الرجعية طلقة واحدة بائنة بينونة صغرى، إن لم تكن هذه الطلقة مكملة للطلاق الثلاث، وهو الطلاق المشروع ويسمى طلاق السنة. والطلاق المختلف في وقوعه هو ما خالف طلاق السنة -الذي ذُكر- بأن طلقها في طهر قد مسها فيه، أو طلقها وهي حائض، أو طلقها أكثر من طلقة واحدة بلفظ واحد. وهذا الطلاق يسمى بالطلاق البدعي، أو طلقها في مرض الموت. وفي أي صورة من هذه الصور يكون الزوج الموقع للطلاق مسيئا في استعمال حقه الأصيل في إيقاع الطلاق، ومن ثم يكون متعسفا، وهذه صور الطلاق التعسفي في الفقه الإسلامي على النحو التالي:
الصورة الأولى: الطلاق في الحيض
أ- أما طلاق الحائض: فهو طلاق بدعي؛ لأنها طلقت في زمان لا يحتسب به من عدتها فبقية حيضها غير محتسب به من عدتها عند من جعل الأقراء: هي الأطهار، وعند من جعلها الحيض فصارت بالطلاق فيه غير زوجة ولا معتدة.
ب- وطلاق الزوجة وهي حائض محظور شرعا لنهي الشرع عنه، ومن ثم قال الفقهاء: إنه حرام، وقد دلّ على تحريمه الكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب: قوله تعالى:]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ[([16]) قال الزمخشري في تفسيره:" أي إذا أردتم تطليقهن وهممتم به فطلقوهن مستقبلات لعدتهن"([17]). قال ابن كثير:" أي لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه"([18]).
ومن السنة: ما روي عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-:" أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله r فسأل عمر بن الخطاب رسول الله r عن ذلك، فقال رسول الله r:"مُرْهُ فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمسَّ، فتلك العِدَّة التي أمر الله أن يُطلَّق لها النساء"([19])، قال ابن حجر([20]):"فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، أي فتلك العدّة التي أذن الله أن يطلق لها النساء، وهذا مراد بيان الآية وهي قوله تعالى:]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ[([21]).
ومن الإجماع: قال النووي:" أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض الحائل بغير رضاها، فلو طلَّق أثم"([22]). ونقل الحطاب:" إن الطلاق في الحيض حرام بالإجماع"([23])، وقال ابن قدامة:" فإن طلقها للبدعة وهو أن يطلقها حائضاً أو في طهر أصابها فيه أثم"([24]). كما أنه لا خلاف في أن الطلاق في النفاس له حكم الطلاق في الحيض عند المالكية والشافعية والظاهرية([25]).
ويستثنى من حظر الطلاق في الحيض:
1- غير المدخول بها، لأنه لا عدة عليها، فلا يراعى في طلاقها كونها غير حائض.
2- التطليق من الحاكم في الإيلاء إذا اتفق وقوع تطليقه في حال حيض الزوجة.
3- إذا اختلعت الزوجة من زوجها صح الخلع سواء كانت الزوجة حائضا أم غير حائض؛ لأن علة تحريم الطلاق في الحيض هي لئلا تتضرر الزوجة في إطالة عدتها، وهذا المعنى غير موجود في حالة الاتفاق على الفرقة عن طريق الخلع([26]).
وترجع حكمة تحريم الطلاق في الحيض إلى أمرين([27]):
الأول: لئلا تطول عدة المرأة المطلقة وفي إطالتها إضرار بها.
الثاني: لغرض التأكد من أن الطلاق كان لحاجة الزوج إليه وليس مردّه إلى نزوة طارئة وغضب سريع وقرار متعجل. قال الشافعي:"وقد أمر الله عز وجل بالإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، ونهى عن الضرر، وطلاق الحائض ضرر عليها"([28]). وجاء في بدائع الصنائع:" لأن فيه تطويل العدة عليها؛ لأن الحيضة التي صادفها الطلاق فيه غير محسوبة من العدة، فتطول العدة عليها وذلك إضرار بها، ولأن الطلاق للحاجة هو الطلاق في زمان كمال الرغبة وزمان الحيض زمان النُّفرة، فيكون الإقدام عليه فيه دليل الحاجة إلى الطلاق، فلا يكون الطلاق فيه سنّة بل سفها"([29]).
ج- وقوع الطلاق في الحيض
ذهب الحنفية والمالكية([30]) والشافعية والحنابلة وعامة الفقهاء([31]) إلى وقوع طلاق البدعة وهو أن يطلقها حائضاً أو في طهر مسها فيه، ويأثم للتحريم. قال الإمام النووي:" أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض الحائل بغير رضاها، فلو طلقها أثم ووقع طلاقه، وشذَّ أهل الظاهر فقالوا: لا يقع"([32]).
واستدل الجمهور على وقوع طلاق الحائض من القرآن الكريم بقوله تعالى:]فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ[([33]) وهذا يعم كل طلاق. ومنه الطلاق البدعي، وكذلك قوله تعالى:]وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ[([34])، ولم يفرق بين مطلقة في حيض وبين مطلقة في طهر، إذ لا يجوز إخراج بعض المطلقات من هذا العموم الوارد في هذه الآيات إلا بنص أو إجماع، ولا يوجد نص ولا إجماع في إخراج المطلقات في الحيض من هذا العموم .
ومن السنة حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- بشأن طلاق زوجته في الحيض، وفيه أن النبي r أمره أن يراجعها([35]). قال النووي في هذا الحديث:"ولو لم يقع طلاقه لم تكن رجعة، فإن قيل: المراد بالرجعة: الرجعة اللغوية وهي الردّ إلى حالها الأول لا أنها تحسب عليها طلقة، قلنا: هذا غلط من الوجهين:
أحدهما: أن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية يقدَّم على حمله على الحقيقة اللغوية.
والثاني: أن ابن عمر صرّح في رواية لمسلم بأنه حسبها عليه طلقة"([36]).
وقال الظاهرية وابن تيمية وابن القيم: لا يقع الطلاق في الحيض. قال ابن تيمية وقد سئل عن الطلاق في الحيض:"ولا ريب أن الأصل بقاء النكاح ولا يقوم دليل شرعي على زواله بالطلاق المحرم، بل النصوص والأصول تقتضي خلاف ذلك"([37]). واحتج أصحاب هذا الرأي بأن أمر النبي r لعبد الله بن عمر أن يراجع زوجته، أن المراد بالرجعة معناها اللغوي وليس معناها الاصطلاحي؛ أي الرجوع لحالتهما التي كانا عليها من الاجتماع قبل الطلاق([38]).
الصورة الثانية: الطلاق في طهر مسها فيه
طلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، أي طاهر من غير جماع، فإن طلقها في طهر مسها فيه أثم وهو طلاق محظور شرعا للحديث السابق في طلاق الحائض وفيه "مُرْهُ فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدَّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"([39]) قال الإمام النووي في هذا الحديث:" ففيه تحريم الطلاق في طهر جامعها فيه"([40]).
وأما طلاقها في طهر مسها فيه، فلتحريمه علتان:
إحداهما: أنها ربما علقت من وطئه فصارت حاملا فلحقه ندم من طلاقها.
ثانيهما: أنها تصير مرتابة في عدّتها، هل علقت من وطئه فتكون عدتها بوضع الحمل، أم لم تعلق فتكون بالأقراء، لكنها تعتد ببقية طهرها، كما أن الطلاق للحاجة، والحاجة تظهر في الطلاق في طهر لم يجامعها فيه([41]). فإذا طلق الرجل في إحدى هاتين الحالتين فقد طلقها طلاقا بدعيا محرما، وهو واقع مع إثم موقعه عند الجمهور الذين أوقعوا الطلاق في الحيض مع إثم موقعه([42])، لحديث ابن عمر السابق([43])ولأن الفروج كالدماء مما ينبغي الاحتياط فيه، والأصل فيها الحرمة، فيجب أن تبقى محرمة حتى يقوم على الحل دليل لا احتمال فيه([44]) ويكون بذلك متعسفا في استعمال حقه في الطلاق([45]).
الصورة الثالثة: الطلاق الثلاث بلفظ واحد
إن حق الطلاق الذي منحته الشريعة للزوج مقصور ومحصور في عدد معين من الطلقات، وليس مطلقا دون عدد فهو مقيد بكونه ثلاث تطليقات، فيجب عليه أن يتروّى ويتأنّى عند استعمال كل طلقة منهن، بحيث لا يقْدم عليها إلا إذا كان الدافع إليها قويا يتناسب مع الآثار المترتبة عليها، فإذا استنفذ المرّات الثلاث بانت منه زوجته البتّة، وتظهر صورة التعسف في هذه الحالة بإيقاع الطلاق الثلاث دفعة واحدة، أو بألفاظ متتالية في مجلس واحد، فالطلاق الثلاث له صورتان:
الأولى: أن يصدر الطلاق مقترنا بلفظ الثلاث، كقول الزوج: أنت طالق ثلاثا.
والثانية: أن يطلق المرأة بثلاث طلقات متتابعات في محل واحد، كقوله: أنت طالق أنت طالق أنت طالق.
والأصل في إيقاع الطلاق أن يطلّق الرجل المرأة في طهر لم يمسها فيه بطلقة واحدة عملا بقوله تعالى:]فطلقوهن لعدتهن[، وقوله r في حديث ابن عمر:"مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر ثم إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس"، فإذا خالف الزوج ذلك بأن أوقع الطلاق الثلاث بلفظ واحد أي دفعة واحدة، فهل يقع طلقة واحدة أم ثلاث طلقات([46]) ؟.
قال ابن رشد:"جمهور فقهاء الأمصار على أن الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة، وقال أهل الظاهر وجماعة: حكمه حكم الواحدة ولا تأثير للفظ في ذلك"([47]).
وفيما يلي عرض موجز لآراء العلماء في ذلك وأشهرها([48]):
الرأي الأول: ذهب جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة([49]) إلى أن الطلاق بلفظ الثلاث يقع ثلاثا وتحرم عليه امرأته حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق في هذا بين الطلاق قبل الدخول أو بعده([50]). قال الشافعي:" فإذا قال الرجل لامرأته التي لم يدخل بها أنت طالق ثلاثا، فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره"([51]).
وحجتهم في ذلك أن الشارع قد جعل للزوج ثلاث تطليقات فله أن يوقعها باختياره متفرقة أو مجتمعة، والنكاح ملك يصح إزالته متفرقا فصح مجتمعا كسائر ما يملكه الإنسان([52]).
وكذلك استدلوا بما روي عن ابن عباس-رضي الله عنهما- أنه أتاه رجل فقال: إن عمي طلق ثلاثا، فقال: إنّ عمّك عصى الله وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا([53]).
وقد ذكر ابن قدامة أن هذا القول روي عن جمع من الصحابة وهم: ابن عباس وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وأنس -رضي الله عنهم-([54]).
فقد قال الجمهور بذلك سدا للذريعة، قال ابن رشد:"وكأن الجمهور غلبوا حكم التغليظ في الطلاق سدا للذريعة"([55]).
الرأي الثاني: ذهب بعض الفقهاء ومنهم ابن تيمية وابن القيم إلى أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع طلقة واحدة رجعية، ولا تأثير للفظ في ذلك([56]).
واحتج أصحاب هذا الرأي بما يأتي:
قوله تعالى:] الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ[([57])، والمطلق بلفظ الثلاث مطلق واحدة وليس ثلاثا([58])، أي أن الطلاق كما شرعه الله تعالى لا يكون إلا مرة ثم مرة كما ورد في الآية، فإذا طلق مرتين بلفظ واحد كانت واحدة وليست مرتين فتقع بها طلقة واحدة.
وما روي عن ابن عباس-رضي الله عنهما- قال:" كان الطلاق على عهد رسول الله r وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم"([59]).
قالوا: فالحديث صريح في أنهم كانوا يعدون الطلاق الثلاث بلفظ واحد على عهد رسول الله r وأبي بكر طلقة واحدة، وهو الحكم الأصلي الذي أقره رسول الله r وتم إجماع الصحابة عليه، وما كان إلزام عمر الناس فيما بعد بالثلاث وإمضاؤها عليهم إلا عقوبة رأى أن من المصلحة أن يعاقبهم بها لتماديهم في الطلاق واستهانتهم بأمره([60]).
وممن قال به من الفقهاء المعاصرين([61]) محمود شلتوت وأحمد شاكر ومحمد السايس وعبد الوهاب خلاف والمراغي وعبد الرحمن الصابوني ومحمد عقلة الإبراهيم، ومحمد أبو زهرة إذ يقول:"وقد كان المعمول به هو مذهب أبي حنيفة الذي هو مذهب الأئمة الأربعة وهو أن يكون الطلاق الثلاث بلفظ الثلاث يقع ثلاثا، والاثنتين تقع اثنتين بلفظ واحد فكان هذا يدفع إلى الحرج الديني، إذ يندفع الزوج في نوبة غضب جامحة فيطلق ثلاثا ولا يجعل لنفسه من أمره يسرا، فإذا ناب إليه رشده كان إما أن يعيش مع امرأته عيشة يعتقد أنها حرام وأنهما زانيان وفي ذلك موت الضمير الديني، وإما أن يتحايلا بطرق لم يحلها الشارع لإعادة الحل والعقد عليها من جديد، وفي ذلك ما فيه من المفاسد فكان من المستحسن علاج هذه الحال"([62]).
الصورة الرابعة: الطلاق في مرض الموت
وهذه الصورة مبنية على نظرية التعسف في استعمال الحق، فإذا طلق الزوج زوجته وهو مريض مرضا انتهى به إلى الموت، أو كان في حالة يغلب فيها الهلاك، ثم اتصل بالهلاك من غير رضا الزوجة، فإن كانت المرأة لا تزال في عدتها من طلاقه ترث منه ولو كان الطلاق بائنا لأنه أراد إبطال حقها في الميراث فيرد عليه قصده ما دامت العدة قائمة لبقاء آثار الزوجية، وإذا قام الدليل على أنه لم يرد من طلاقها حرمانها من الإرث لم يكن فارًّا فترث منه ما دامت في العدة من طلاق رجعي، ولا ترث في العدة من الطلاق البائن، ومن أمارات عدم الفرار في طلاقه أن يكون الطلاق برضاها، أو أن تخالعه على الطلاق، أو أن تكون غير مستحقة للإرث منه عند الطلاق، كأن تكون كتابية، فإن اختلاف الدين مانع من الإرث كما هو معلوم([63]).
قال ابن رشد([64]):"وأما المريض الذي يطلق طلاقا بائنا ويموت من مرضه، فإن مالكا وجماعة يقول ترث زوجته، والشافعي وجماعة لا يورثها، والذين قالوا بتوريثها انقسموا إلى ثلاث فرق: ففرقة قالت لها الميراث ما دامت في العدة، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه والثوري، وقال قوم: لها الميراث ما لم تتزوج، وممن قال بهذا أحمد وابن أبي ليلى، وقال قوم بل ترث كانت في العدة أم لم تكن، تزوجت أم لم تتزوج وهو مذهب مالك والليث([65])".
الصورة الخامسة: طلاق المرتد
اتفق الفقهاء على أن المرتد لا يرث أحدا البتة، كما أنه إذا ارتد أحد الزوجين بانت منه زوجته، ولذلك فالزوج المرتد لا يرث زوجته، والزوجة المرتدة لا ترث زوجها. ومن المعروف أن الزوج إذا ارتد بانت زوجته منه، وفقدت حقها في الميراث؛ لاختلاف الدين([66])؛ إلا أن الفقهاء ألحقوا المرتد بحكم المريض مرض الموت، واعتبروه فاراّ بالردة من توريث زوجته، فيرد عليه قصده، ولذلك فإن الزوجة المسلمة ترث زوجها المرتد إذا مات أو قتل على ردته وهي في العدة؛ لأنه يصير فارّا، وإن كان صحيحا وقت الردة([67]).
أما الزوجة المسلمة إذا ارتدت وهي في مرض موتها، فإن زوجها المسلم يرثها إذا ماتت وهي في العدة عند الحنفية([68]) لقصدها إبطال حقه، فتعامل بنقيض قصدها، ولا يرثها زوجها إن ارتدت حال صحتها؛ لأنها بانت بالردة، ولم تكن مشرفة على الهلاك فلا تكون فارّة، ولزوجها أن يتزوج بأختها عقيب لحاقها بدار الحرب، لأنها لا عدّة لها كالميتة، ولأنها لا تقتل([69]) فلم يتعلق حقه في مالها بالردة بخلاف المرتد([70]).
الصورة السادسة: طلاق الهازل
وهو من يقصد التلفظ بلفظ الطلاق ولكن لا يريد حكم هذا اللفظ([71]). فهل يقع طلاقه؟.
قال ابن قدامة:" إن صريح الطلاق لا يحتاج إلى نية، بل يقع من غير قصد ولا خلاف في ذلك سواء قصد المزاح أو الجد. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن جدّ الطلاق وهزله سواء، روى ذلك عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وغيرهم"([72]). لقوله r:" ثلاث جِدُّهن جِدّ وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة"([73]).
فالهازل مكلف وقد اختار التلفظ بالطلاق ولو أُطلق للناس جواز الاحتجاج بالهزل لتعطلت الأحكام وهذا يؤدي إلى الفوضى وارتكاب المحرم، والنكاح والطلاق والرجعة واجب فيها صيانة الفروج من العبث([74]). وإنما يقع طلاق الهازل؛ لأنه حكم شرعي لا ينبغي الهزل فيه ولا العبث به، فالهازل معتدٍ على أحكام الله مستهزئ بآياته فوجب أن لا يؤخذ بالشفقة والرحمة بحجة أنه لم يقصد ترتيب أثر العبارة عليها، حتى لا يفتح الباب أمام أمثاله للعبث بأحكام الشرع([75]). وقد رجح الصابوني عدم وقوع طلاق الهازل فيما لو كان المجلس مجلس لهو وهزل مما لا يختلف فيه اثنان أن أي لفظ يصدر فيه لا يقصد به إلا الهزل([76]).
ثانيا: الجانب القانوني
الطلاق محلل شرعا ومجاز قانونا , ولكنه أبغض الحلال إلى الله , فالزوج يملك الحق في إيقاع الطلاق على زوجته, وهذا الحق كفله الشرع والقانون, ولكن قانون الأسرة الجزائري أحاط هذا الحق ببعض من الضمانات حفاظا على قدسية الحياة الزوجية، فلابد لأي طلاق من أن يكون له سبب مستساغ شرعا وقانونا، حيث يتضح من نص المادة 52 من قانون الأسرة :"إذا تبين للقاضي تعسف الزوج في الطلاق حكم للمطلقة بالتعويض عن الضرر اللاحق بها"([77])، أن المشرع الجزائري أوجب التعويض عن الطلاق التعسفي، والذي يجب أن يتوافر فيه شرطان أساسيان وهما:
- أن يتبين للقاضي تعسف الزوج في الطلاق، كأن يطلق زوجته لغير سبب معقول.
- أن يتحقق القاضي من لحوق الضرر بالمطلقة.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن توافر هذين الشرطين لابد وأن يكونا مجتمعين ومتلازمين بذات الوقت حتى يكيف الطلاق على أنه تعسفي، ومن ثم تستحق الزوجة التعويض -على ما سيأتي بيانه-.
وانطلاقا من الواقع العملي للمحاكم في مجال الأحوال الشخصية يمكن اعتبار الأسباب الآتية صورا للتعسف في الغالب وهي على سبيل التمثيل لا الحصر.
أولا: إذا كان الطلاق من غير سبب معقول([78]) بأن يُقدم الزوج على طلاق زوجته دونما سبب مسوغ لذلك الطلاق عدّ هذا الطلاق تعسفيا، وتستحق حينئذ الزوجة المطلقة طلاقا تعسفيا تعويضا عن هذا الطلاق، وذلك حتى لا يغالى باستخدام هذا الحق. فإذا تبين للقاضي أن الزوجة قد لحقها ضرر بسبب هذا الطلاق، جاز له أن يحكم لها على مطلقها بالتعويض بحسب نسبة التعسف ودرجته([79]).
ثانيا: إذا طلبت الزوجة المطلقة الرجوع إلى بيت الزوجية بأن تنازلت الزوجة عن حقها في التعويض وتشبثت بالعودة إلى الحياة الزوجية، وتمادى الزوج في تمسكه بطلب الطلاق، فإنه يعدّ متعسفا في استعمال الحق في هذه الحالة في نظر القضاء، ومن ثم فإنه يكون من حق الزوج إيقاع الطلاق مع إلزامه بالتعويض عن الضرر الذي لحق بالمرأة.
ثالثا: يكون الزوج متعسفا في طلاق زوجته إذا طلقها في مرض موته؛ لأنه يعتبر فارا من ميراث زوجته فيرد عليه قصده بتوريثها منه، وهذا الأخير يعتبر تعويضا لها عن تعسفه في الطلاق. طبقا لما جاء به الاجتهاد القضائي في قراره الصادر بتاريخ 17/3/1998 والذي جاء فيه:"إن المرض مهما كانت خطورته لا يمنع الزوج من إيقاع الطلاق ما عدا إذا كان القصد من الطلاق في مرض الموت حرمان الزوجة من الميراث. ومن ثم فإن قضاة الموضوع بقضائهم بطلاق الطاعنة طبقوا صحيح القانون، ومتى كان ذلك استوجب رفض الطعن"([80]).
حيث يفهم من هذا القرار أن الطلاق في مرض الموت يعدّ تعسفا إذا كان القصد منه حرمان الزوجة من الميراث عملا بما هو مقرر في الفقه المالكي على الخصوص.
وبناء على ما سبق بيانه يمكن القول بأن النظرة الشرعية في تكييف التعسف وصوره في الطلاق، تختلف عن نظرة القانون، فمعيار التعسف في نظر الشريعة إنما يرجع إلى مدى المخالفة الشرعية في إيقاع الطلاق، ومنه يفقد وجه الحكمة في تشريعه، وأما معياره بالنظر القانوني فيكون بقدر الضرر الذي ينتجه الطلاق.
الفرع الثالث: قيود إيقاع الطلاق وأثر مجاوزتها
يتضمن هذا الفرع الحديث عن قيود إيقاع الطلاق في الفقه الإسلامي والأثر المترتب على مجاوزة حدود إيقاع الطلاق، وذلك على النحو الآتي:
أولا: قيود إيقاع الطلاق في الفقه الإسلامي
انطلاقا مما هو مقرر فقها وقانونا أن الطلاق بيد الرجل، فهو حق أصيل له يستعمله دون اعتماد على إرادة المرأة في إحداث هذا الأثر، فتكون إرادة الزوج وحدها محل اعتبار، غير أنه لا بد من تحديد طبيعة حق الزوج في إيقاع الطلاق، فيجب أن يكون استعماله بمعروف أو بإحسان، والمعروف ضده المنكر، والإحسان ضده الإساءة، فإذا خالف المعروف في استعماله لحق الطلاق يكون قد أتى منكرا، وإذا خالف الإحسان في استعماله يكون قد أساء استعماله([81])، لقوله تعالى:]فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا[([82])، وقوله تعالى:]فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ[([83]).
فقد قيد فقهاء الشريعة حق الزوج في إيقاع الطلاق بما يتفق والحكمة التي دعت لتشريعه، وبما فيه منع الإضرار بالمطلقة غير ما يصيبها من مجرد الطلاق، ولما كان الطلاق في ذاته مضرا بالزوجة في أغلب الحالات، فقد رتبت الشريعة على وقوعه أحكاما ترمي إلى تخفيف هذا الضرر.
فيتقيد حق الزوج في إيقاع الطلاق بما تتقيد به الحقوق على وجه العموم في الشريعة الإسلامية، فهو يتقيد بوجوب أن يكون استعماله متجها لتحقيق الحكمة التي شرع لأجلها، وألا يكون بطريقة هي في حدّ ذاتها مسببة لضرر يلحق بالمطلقة فوق ما يصيبها من حل الرابطة الزوجية. وقد اصطلح فقهاء الشريعة على تقسيمه إلى طلاق السنة وطلاق البدعة، وهم يقصدون بالأول الطلاق المشروع وبالثاني الطلاق المحرم. ولعل الذي دعاهم إلى ذلك هو ما يشوب هذا الحق من الكراهية لما فيه من حل الرابطة الزوجية، وهو في الغالب مضر بالمرأة([84]).
أولا: يتقيد استعمال الزوج لحق إيقاع الطلاق بوجوب مطابقته للحكمة التي دعت إلى تشريعه، والحكمة التي دعت إلى مشروعية الطلاق هي الخلاص من الرابطة الزوجية عند تباين الأخلاق وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى، بحيث يفوت المقصود من النكاح وينقلب إلى مضرة، وقيام هذه الحكمة شرط لإباحة الطلاق، فإذا لم تقم كان إيقاع الطلاق على غير الوجه المباح شرعا فيحرم.
وتطبيقا لذلك ذكر الفقهاء من الأحكام ما يأتي([85]):
1- يكون إيقاع الطلاق مكروها إذا كان من غير حاجة تدعو إليه، لقوله تعالى:] فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا[([86]). قال الآلوسي:"(فإن أطعنكم)، أي وافقنكم وانقدن لما أوجب الله تعالى عليهن من طاعتكم بذلك..فلا تطلبوا سبيلا وطريقا إلى التعدي عليهن، أو لا تظلموهن بطريق من الطرق بالتوبيخ اللساني والأذى الفعلي وغيره، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بالبغي إما بمعنى الطلب أو بمعنى الظلم"([87]).
2- اتفق الفقهاء([88]) على تحريم طلاق الزوجة في طهر مسها فيه، والعلة التي ذكروها لذلك هي أن الطلاق أبيح لحل عقدة النكاح عند عدم توافق الأخلاق، فيجب أن تكون هذه الحكمة الداعية إليه متوافرة، ولما كان عدم موافقة الأخلاق أمرا باطنا لا يوقف على حقيقته فقد أقام الشرع السبب الظاهر الدال عليه، وهو الطهر الذي لم يمسها فيه مقام حقيقة الحاجة لعدم موافقة الأخلاق، لأن الطهر زمان الرغبة فيه طبعا وشرعا، فلا يختار الزوج فراقها إلا لحاجة([89])، ولأن الجماع قد يؤدي إلى الحمل، والحمل يقوي الرغبة في الإمساك فلا تكون هناك حاجة للطلاق، فإذا وقع الطلاق بعد الجماع فقد يؤدي إلى الندم، وبذلك يكون الطلاق قد وقع على غير رغبة صادقة، ومن أجل ذلك قالوا يجوز إيقاع الطلاق بالحامل بعد معاشرتها، لأن الحمل يزيد الرغبة فيها لرعاية مصلحة الولد، فيكون إيقاع الطلاق بعد ظهوره دليلا على عدم موافقة الأخلاق([90]).
ثانيا: إذا طلق الرجل امرأته في مرض الموت طلاقا بائنا فإنها ترثه([91])، والعلة في ذلك هي أن المريض الذي يطلق زوجته يتهم بأنه قصد بطلاقها حرمانها من الميراث، فيرد عليه قصده([92]). ويلاحظ أن قيام هذه التهمة كون إيقاع الطلاق غير متفق مع الحكمة التي دعت لتشريعه لأن المقصود بالطلاق الفرقة وهي حاصلة بالموت، إذ الفرض أن المطلق يموت في مرضه الذي طلق فيه، وبذلك يكون المطلق قد قصد بطلاقه غير ما شرع له الطلاق.
ثالثا: يتقيد استعمال الزوج لحق إيقاع الطلاق بحيث لا يترتب عليه ضرر بالزوجة، والمقصود بالضرر هنا الضرر الذي يزيد على ما ينشأ من حل رابطة الزوجية؛ لأن الطلاق في ذاته مضر بالمرأة غالبا، فالضرر المقصود هو الذي ينشأ عن وقوعه نتيجة لإيقاعه إما بكيفية مخصوصة وإما في وقت مخصوص ينشأ عنه ضرر بالمطلقة، من ذلك الطلاق الثلاث بلفظ واحد أو بألفاظ متتابعة في طهر واحد، أو الطلاق في أثناء الحيض، أو في طهر مسّها فيه([93]).
ثانيا: الأثر المترتب على مجاوزة حدود إيقاع الطلاق
أ- الأثر الشرعي
كان اختلاف فقهاء الشريعة في بيان الأثر المترتب على تجاوز حدود إيقاع الطلاق([94]) أشد وأظهر من اختلافهم في بيان الطلاق المسنون وما خرج عن السنة، وقد اتفقوا جميعا على أن الطلاق البدعي ما يوقعه الزوج تجاوزا فيه للقيود السابقة الذكر، هو طلاق محرم ديانة، بحيث يؤثم الزوج لإيقاعه، وعلى هذا الأثر اقتصر فريق كبير من علماء الشريعة الإسلامية على الحرمة الدينية فأقروا الطلاق الذي يكون كذلك.
ويرى فريق آخر أن مثل هذا الطلاق لا يقع فهو على النقيض من الرأي الأول، وفريق ثالث توسط بين الرأيين فقضى بوقوع الطلاق، ولكن بقيود معينة ترمي إلى رفع الضرر الناتج عنه أو تخفيفه.
الرأي الأول: واقتصر أصحابه على الحرمة الدينية، حيث يقضي هذا الرأي بأن الزوج إذا أوقع الطلاق فإنه يقع ويترتب عليه حكمه الشرعي سواء كان إيقاعه على وجه السنة أو مخالف لها، فإن كان على وجه السنة فلا شيء على المطلق، وإن خالفها بأن طلق في الحيض فإنه يؤثم ديانة، وعلى هذا الرأي فقهاء المذاهب الأربعة([95]).
الرأي الثاني: ذهب أصحابه إلى القول بأن الطلاق البدعي لا يقع، فمن طلق زوجته وهي حائض أو في طهر مسها فيه، أو طلقها ثلاثا بلفظ واحد فلا يقع الطلاق وتبقى الزوجة كما كانت، ووجه قولهم هذا هو أن الأمر بإيقاع الطلاق على وجه مخصوص يقتضي الوجوب، فما وقع على غير هذا الوجه المخصوص لا يعتبر، لقوله r:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"([96]).
وممن قال بهذا الرأي الظاهرية([97])، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في الطلاق أثناء الحيض أو في طهر عقب جماع([98]).
الرأي الثالث: ذهب أصحابه إلى القول بوقوع الطلاق البدعي، إلا أنهم لم يقصروا أثر البدعة هنا على الحرمة الدينية، بل عملوا على رفع المعنى غير المشروع في هذا الطلاق فيما يحتمله من أنواعه، وذلك في الطلاق الثلاث بلفظ واحد أو بألفاظ متتابعة وفي الطلاق أثناء الحيض. فأما عن الطلاق الثلاث فيرى فريق من الفقهاء أن طلاق الثلاث بلفظ واحد يقع به طلقة رجعية واحدة، وعلى هذا الرأي ابن تيمية وابن القيم الجوزية([99]). وهو رأي بعض الفقهاء المعاصرين-كما سبق بيانه-.
ب- الأثر المترتب على إيقاع الطلاق التعسفي
إذا أوقع الزوج الطلاق على وجه التعسف فإنه يقع شرعا وتترتب عليه أحكامه وآثاره-كما سبق بيانه- وبما أن الرجعة أثر من آثار الطلاق السني، فقد اختلف العلماء في مدى إلزام المتعسف في الطلاق البدعي([100]) بمراجعة زوجته وإمساكها، فإن أراد تطليقها بعد ذلك طلقها للسنة.
أولا: إلزام المتعسف في الطلاق البدعي بالرجعة
اختلف الفقهاء في وجوب الرجعة على من طلق طلاقا بدعيا، على رأيين:
فذهب المالكية([101]) إلى أن المراجعة واجبة على الزوج المطلق، فإن راجعها فبها ونعمت، وإن أبى أمره الحاكم بها لأنه ممتنع من أداء واجب عليه، فإن أبى أن يراجعها من أمر الحاكم له بالمراجعة أجبره عليها بالتهديد بإيقاع الأذى به كالسجن والضرب، فإذا أصر على إبائه ورفضه ارتجعها الحاكم عليه؛ لأن الارتجاع في هذه الحالة حق لله تعالى([102]).
واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر الذي فيه:"مُره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر"([103])، ووجه الدلالة أن الحديث يفيد الأمر بالرجعة في حالة الطلاق في الحيض، والأمر للوجوب فيجبر على الارتجاع([104]).
كما استدلوا بالمعقول حيث قالوا: بأن المطلق طلاقا بدعيا ارتكب محظورا فيؤمر بالرجعة استدراكا لمواقعة المحظور بالإقلاع عنه، ولما كان الطلاق محرما في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة، كما أنه لما طول عليها وأضر بها مع نهيه عن ذلك عوقب بالإجبار على الرجعة وردها إلى حال الزوجية ليزول الضرر عنها([105]).
وعند الحنفية في القول الأصح: تجب المراجعة ديانة لا قضاء، والقول الثاني عندهم: تستحب الرجعة([106]).
أما الشافعية والحنابلة فقالوا: تستحب المراجعة ولا تجب، فإن راجعها وجب إمساكها حتى تطهر واستحب إمساكها حتى تحيض حيضة أخرى([107]). وهو القول الثاني للحنفية.
واستدلوا لرأيهم بقوله تعالى:] وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا[([108])، ووجه الدلالة من الآية على عدم وجوب الرجعة من وجهين:
أحدهما: أنه جعلها حقا للأزواج لا عليهم، والثاني: أنه قرنها بإرادة الإصلاح([109]).
كما استدلوا بالمعقول حيث قالوا: أن الرجعة إما أن تراد لاستدامة العقد أو إعادته، فإن أريدت لإعادته لم تجب؛ لأن ابتداء النكاح لا يجب، وإن أريدت لاستدامته لم تجب أيضا لأن له رفعه بالطلاق، ولأن تحريم الطلاق في الحيض كتحريمه في طهر مجامع فيه، ثم لم تجب الرجعة في طهر الجماع كذلك في الحيض([110]).
والمذهب الأول أرجح عملا بحديث ابن عمر-السابق الذكر- وقد بين ابن عبد البر الحكمة من ذلك من عدة وجوه منها:
- أن الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء لأنه المبغى من النكاح، ولا يحصل الوطء إلا في الطهر، فإذا وطئها حرم طلاقها فيه حتى تحيض ثم تطهر.
- أن الطلاق كره في المحيض لتطويل العدة، فلو طلقها عقب الرجعة من غير وطء كانت في معنى المطلقة قبل الدخول، ولو كانت تبني على عدتها فأراد الرسول r قطع حكم الطلاق بالوطء، واعتبر الطهر هو موضع الوطء، فإذا وطئها حرم طلاقها حتى تحيض ثم تطهر كما في الحديث([111]).
[3]- محمد سراج: نظرية العقد والتعسف في استعمال الحق من وجهة الفقه الإسلامي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية،(دط،دت)، 274.
[5]- انظر، جميل فخري محمد جانم: التدابير الشرعية للحد من الطلاق التعسفي في الفقه والقانون، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان، الآردن، ط1، 2009، ص 123.
[6]- وهناك قسم ثالث وهو الطلاق الذي لا وصف له أي غير سني وغير بدعي، وهو في حالة طلاق الصغيرة والآيسة التي بلغت سن اليأس لأن عدتها بالأشهر وليست بالأقراء، فلا ضرر يلحقها ولا ولد يندم على فراقه، وكذلك طلاق الحامل لأن عدتها تكون بوضع الحمل فلا تختلف العدة في حقها حتى ولو كانت تحيض مدة الحمل وطلقها في الحيض فإنه لا يحرم هذا الطلاق أيضا، فإن لم يظهر حملها فطلاقها بدعي، ولأنه إذا طلقها قبل ظهور الحمل فقد يترتب عليه ندم عند ظهور الحمل، وكذلك طلاق المختلعة بمالها لأن دفعها المال يدل على احتياجها للخلاص من الزوج، كذلك يباح طلاق المرأة قبل الدخول لأنه لا عدة عليها، كما يباح الطلاق إذا طلبته زمن البدعة لأن المنع إنما شرع لحق المرأة فإذا رضيت بإسقاط حقها زال المنع. انظر، الشربيني: مغني المحتاج، 3/404. عبد العزيز رمضان سمك: الفُرق بين الزوجين في الفقه الإسلامي، دار الثقافة العربية، القاهرة، 1993، ص 80.
[10]- انظر، مصطفى بن العدوي: أحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط1، 1988، ص 13-14.
[13]- انظر، أبوزهرة: الأحوال الشخصية، ص 286-287. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، 7/425-426.حامد عبده الفقي: أحكام الرجعة في الفقه الإسلامي، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2003، ص 99.
[14]- وممن قال بذلك نور الدين عتر في كتابه أبغض الحلال-دراسة لتشريع الطلاق في إطار واقعه عند الأمم في القديم والحديث واصطلاحات الإسلام وحكمته في تشريعه- مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط2، 1983، ص 156-160.
[15]- الصابوني: مدى حرية الزوجين في الطلاق، ص 101. وممن قال بذلك أبو زهرة في كتابه الأحوال الشخصية، ص 284.
[25]- النووي: روضة الطالبين، 6/4. الشربيني: المصدر السابق، 3/404. ابن حزم: المصدر السابق،10/176. الغرياني: المرجع السابق، 2/669. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته،7/428.
[27]- انظر، زكي الدين شعبان:الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية، ص358-359. محمد علي حسب الله:عيون المسائل الشرعية في الأحوال الشخصية، ص 149-150.
[46]- اختلف الفقهاء في بدعية الطلاق الثلاث بلفظ واحد، فذهب مالك إلى أن المطلق ثلاثا بلفظ واحد مطلق لغير سنة، وهو رواية عن أحمد، وذهب الشافعي إلى أنه مطلق للسنة. انظر، ابن عبد البر: الاستذكار،17/10. ابن رشد: بداية المجتهد، 2/64. ابن قدامة: المغني، 10/331. الشربيني: مغني المحتاج، 3/409.
[48]- قال ابن القيم:" وقوع الثلاث –أي الطلقات الثلاث- بكلمة واحدة اختلف فيه الناس على أربع مذاهب: المذهب الأول: أنه يقع-أي يقع الطلقات الثلاث- وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة. المذهب الثاني: أنه يقع طلقة واحدة رجعية، وهذا ثابت عن ابن عباس، ذكره أبو داود عنه، وقال الإمام أحمد: وهذا مذهب ابن إسحاق إذ يقول:خالف السنة فيرد إلى السنة، وهو قول طاووس وعكرمة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. المذهب الثالث: أنه يفرق بين المدخول بها وغيره، فتقع الثلاث بالمدخول بها، وتقع بغيرها واحدة، وهذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب اختلاف العلماء. المذهب الرابع: لا يقع الطلاق لأنه بهذه الصيغة بدعة محرمة، والبدعة مردودة، وهذا المذهب حكاه أبو محمد بن حزم وحكي للإمام أحمد فأنكره". ابن القيم: زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط7، 1985، 5/247-248. وانظر تفصيل آراء العلماء وأدلتهم بإسهاب في هذه المسألة ومناقشاتهم وردودهم. عبد الكريم زيدان: المفصل ، 8/63 وما بعدها. و عمر سليمان الأشقر وعبد الناصر أبو البصل: مسائل في الفقه المقارن، دار النفائس، الأردن،ط2، 1997، 179 وما بعدها. محمد سعيد رمضان البوطي: محاضرات في الفقه المقارن.
[49]- انظر، الكاساني: المصدر نفسه، 3/137. الحطاب: مواهب الجليل، 4/39. ابن قدامة:المصدر نفسه،10/334.الرملي: نهاية المحتاج، 6/455.
[56]- انظر، محمد سعيد رمضان البوطي:محاضرات في الفقه المقارن، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ط2، 1981، ص 100.
[63]- السباعي:شرح قانون الأحوال الشخصية، 1/266. أحمد أبراهيم بك:أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية والقانون، ص 332 وما بعدها.
[65]- هو أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، مجتهد من تابعي التابعين، ولد سنة 94ه وتوفي سنة 165ه، أجمع العلماء على جلالته وعلو مرتبته في الفقه والحديث، وكان إمام أهل مصر في زمانه، له كتاب في التاريخ وكتاب في مسائل الفقه. ابن العماد: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، (دط،دت)، 1/285.
[69]- قال ابن رشد:"واختلفوا في قتل المرأة، وهل تستتاب قبل أن تقتل، فقال الجمهور: تقتل المرأة. وقال أبو جنيفة: لا تقتل، وشبهها بالكافرة الأصلية". بداية المجتهد، 2/459.
[75]- انظر، محمد علي حسب الله: عيون المسائل الشرعية في الأحوال الشخصية، ص 166. الهادي السعيد عرفة: إساءة استعمال حق الطلاق، ص 235.
[77]- عدلت بالأمر 05-02 المؤرخ في 27/2/2005. وحررت في ظل القانون 84-11 كما يلي:"إذا تبين للقاضي تعسف الزوج في الطلاق حكم للمطلقة بالتعويض عن الضرر اللاحق بها وإذا كانت حاضنة ولم يكن لها ولي يقبل إيواءها يضمن حقها في السكن مع محضونيها حسب وسع الزوج. ويستثنى من القرار بالسكن، مسكن الزوجية إذا كان وحيدا. تفقد المطلقة حقها في السكن في حالة زواجها أو ثبوت انحرافها".
[78]- لم يضع الفقهاء تعريفا اصطلاحيا للطلاق من غير سبب -فيما قرأت- إلا أنه يمكن تعريفه بأنه: مناقضة قصد الشارع في رفع قيد النكاح في الحال أو المآل، بتطليق الزوج زوجته لغير سبب مشروع، ودون حاجة داعية إليه.
[85]- انظر، السعيد مصطفى السعيد: مدى استعمال حقوق الزوجية، مطبعة الاعتماد، مصر، (دط، دت)، ص 232-233.
[87]- الآلوسي: روح المعاني، تصحيح علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1994، 3/26.
[91]- وعند الشافعي لا ترث لأن الزوجية التي هي سبب الإرث قد زالت بالطلاق البائن كما في حال الصحة. انظر،الغزالي: الوسيط في المذهب، 5/402.
[93]- قد يقال أن الحكم بوقوع طلاق المتعسف على أنه عقوبة له، فإنه في الواقع عقوبة لغيره وهم زوجته وأولادها، وهؤلاء لا ذنب لهم ولا جريرة، فيكون القول بوقوع طلاقه مخالفا لقوله تعالى:"ولا تزر وازرة وزر أخرى"الإسراء: الآية 15. والحقيقة أن وقوع الطلاق بالنسبة للمتعسف إنما هو عقوبة له وحده وليس لزوجته وأولاده لأنه هو الذي يملك الحق وهو الذي تعسف فيه، فإذا أخذ بأحكامه وآثاره فإنه هو المتأثر بهذه الأحكام وتلك الآثار بالدرجة الأولى من وجوب نفقة الزوجة والأولاد وإلزامه شرعا بالعديد من الالتزامات الشرعية التي لم يكن يحسب حسابها كمؤخر الصداق ونحو ذلك، فلا ضرر ولا ضرار يلحق بالزوجة والأولاد ما دامت حقوقهم محفوظة لم تمس، هذا إلى جانب أن الحكم بوقوع الطلاق قد يكون في صالحهم، فقد تنصلح به نفسية الزوج ويتهذب سلوكه إذا عاد إلى زوجته وأولاده فتستقر أحوالهم، وإذا كان الطلاق بائنا فإن الله تعالى يغن كلا من سعته، حيث يقول تعالى:"وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته".النساء: الآية 130. انظر، الهادي السعيد عرفة: إساءة استعمال حق الطلاق، ص 237.
[94]- من الأهمية بمكان التمييز بين التعسف في استعمال الحق ومجاوزة حدود الحق لمعرفة ما إذا كان المطلق إذا خالف الضوابط الشرعية لإيقاع الطلاق مسيئا لاستعماله حقه أم متجاوزا لحدود حقه، فالمتجاوز لحدود حقه لا يستعمل حقا مشروعا له وإنما يتعدى على حرمة حقوق غيره ابتداءً، أو عن طريق استعماله لحقه المشروع. انظر، الهادي السعيد عرفة:إساءة استعمال حق الطلاق، ص87- 88.
[100]- وهذا المعنى ذاته موجود بالنسبة للهازل والسكران فلزم مؤاخذتهما بنحو مؤاخذة من أوقع الطلاق في الحيض، فيقع طلاقهما ويجبران على الرجعة، فإذا أراد أحدهما أن يطلق التزم بطلاق السنة، بحيث لا يوقع الطلاق إلا عند الحاجة إليه، وعند قيام سبب قوي يتدعيه، وبهذا تنضبط أحوال هؤلاء وينضبط سلوكهم، فلا يجرؤ أحدهم ولا غيرهم ممن هو على شاكلتهم أن يعبث بالطلاق وأحكامه. انظر، الهادي السعيد عرفة: إساءة استعمال حق الطلاق، ص 242.
[101]- انظر، ابن عبد البر:الاستذكار، 18/23. ابن رشد: بداية المجتهد، 2/65.الدسوقي:حاشية الدسوقي، 2/362.
[107]- الرملي: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،1993 ،7/6. ابن قدامة: المغني، 10/328.
هذا الدرس غير جاهز لبدئه بعد