درس
المحاضرة الرابعة حق المطلقة في التعويض
متطلبات الإكمال
المحاضرة الرابعة
حق المطلقة في التعويض
أولا: الجانب الفقهي
لم ينازع أحد من الفقهاء في أن المتعة إنما تجب جبرا لما وقع على المرأة من إيحاش وضرر بما فات عليها من الطمأنينة على نظام حياتها في كنف الزوج([1]).
والمتعسف في استعمال حق الطلاق مسيء وإساءته هذه يترتب عليها لحوق ضرر بالمطلقة؛ لأنه في الغالب يطلق لغير حاجة أو سبب يدعو إليه، وهذا الضرر الذي يلحق بالمطلقة قد يكون ضررا نفسيا معنويا يتمثل في الفرقة- وهذا الضرر تشترك فيه المطلقات جميعهن- وقد يكون هذا الضرر ماديا يتمثل في إطالة أمد العدة مما يضيع عليها فرصا سانحة للزواج، وخاصة في الطلاق في الحيض، فإذا أوقع الزوج الطلاق بزوجته فإنه يقع على رأي الجمهور إذا كان بدعيا-كما سبق بيانه- ولا ريب أن الزوج يكون بذلك متعسفا في حق مطلقته مما يلحقها من ضرر، من أجل ذلك رتبت الشريعة الإسلامية على الطلاق أثرا يرمي إلى تخفيف هذا الضرر عن المطلقة وذلك بما تفرضه على الزوج من المتعة لمطلقته كأثر من آثار الطلاق، وبيان ذلك يستدعي التطرق لها في العناصر الآتية:
أ- تعريف المتعة
عرفت المتعة بتعاريف فقهية متقاربة منها:([2])
تعريف المالكية بأنها:"ما يعطيه الزوج للمطلقة تخفيفا للألم الذي حصل لها من طلاقه إياها، ويعطيه المطلق على قدر حاله حسب يسره وعسره"([3]). وعرفها الشافعية بأنها:"مال يجب على الزوج دفعه لامرأته المفارقة في الحياة بطلاق وما في معناه بشروط"([4]). إلا أنه يمكن تعريفها بصفة عامة بأنها:"ما يدفعه الرجل لمطلقته بعد الفرقة بينهما"([5]).
ب- مشروعيتها
وردت مشروعيتها في القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى:] لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ[([6])، وقوله تعالى:] وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ[([7])، وقوله تعالى:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا[([8]). ووجه الدلالة من عموم هذه الآيات أن الله تعالى أوجب المتعة لجميع المطلقات، المدخول بهن وغير المدخول بهن، سواء سمي لهن مهرا أم لم يسمّ لهن مهرا.
وقد استدل فريق من الفقهاء بعموم هذه الآيات على وجوب المتعة لكلّ مطلقة، وذهب فريق آخر إلى أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضا لها، وقال آخرون: إن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها، فإن كان قد دخل بها وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة، وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول وجب لها عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع، وكان ذلك عوضا لها عن المتعة([9]).
وقد ذهب الأستاذ محمد بلتاجي إلى قول جمع به بين هذه الآيات والآراء حين قال([10]):"إذا تأملنا في مجموع الآيات السابقة في المتعة فإننا ننتهي إلى أن كل مطلقة- دخل بها أو لم يدخل- تجب لها المتعة، أما المدخول بها فقد وجبت لها المتعة بالآية الكريمة: ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا[([11])، وأما غير المدخول بها فإن طلقت قبل أن يسمى لها المهر فقد وجبت لها المتعة بالآية الكريمة ]لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ[([12])، وأما إن كان سمي لها المهر فمتعتها الواجبة هي ما أوجبه الله تعالى من نصف المسمى، وذلك في قوله تعالى:] وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ[([13]).
ويلاحظ من قوله: أنه قد سمّى نصف ما فرض لها في حالة تسمية المهر -وقبل المسيس- متعة([14])، لأن الآية في قوله تعالى:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا[ ([15]) قد أسقطت عنها العدة وأوجبت لها المتعة، فكان لا بد من حمل مفهوم المتعة هنا على ما فصلته الآية في قوله تعالى:] وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ[([16]) والتي أوجبت نصف المهر لها، ولها بعد المسيس جميع الفرض أو مهر المثل([17]).
ويبين ابن العربي الحكمة في فرض النصف قبل المسيس، والكل بعده أو مهر مثلها، فيقول:"والحكمة في ذلك أن الله تعالى قابل المسيس بالمهر الواجب ونصفه بالطلاق قبل المسيس، لما لحق الزوجة من رخص العقد، ووصم الحل الحاصل للزوج بالعقد، فإذا طلقها قبل المسيس والفرض ألزمه الله المتعة كفؤا لهذا المعنى"([18]).
ج- مذاهب العلماء في متعة المطلقة بالإرادة المنفردة للزوج
اختلف الفقهاء في حكم متعة الطلاق للمطلقات بطلاق يوقعه الزوج بإرادته المنفردة، ولكلّ أدلته فيما ذهب إليه([19])، وهذه مذاهبهم كالآتي:
المذهب الأول: ذهب الحنابلة - في رواية-([20]) والمالكية -في قول-([21]) والظاهرية([22]) إلى أن المتعة واجبة لكلّ مطلقة، سواء سمّي لها مهر أم لم يسمّ، وسواء طلّقت قبل الدخول أم بعده.
المذهب الثاني: ذهب المالكية في المشهور([23])، والشافعية -في القديم-([24]) إلى أن المتعة مستحبة لكل مطلقة.
المذهب الثالث: ذهب-الشافعية في الجديد-([25]) و الحنابلة -في رواية-([26]) إلى أن المتعة واجبة لكل مطلقة ما عدا المطلقة قبل الدخول و بعد تسمية المهر.
المذهب الرابع: ذهب الحنفية([27]) و الشافعية -في القديم-([28]) و الحنابلة في الصحيح([29]) إلى أن المتعة واجبة للمطلقة قبل الدخول و قبل تسمية المهر إلا أن الحنفية والحنابلة - في قول- أوجبوا المتعة للمطلقة قبل الدخول في نكاح لم يسمّ فيه المهر وإنما فرض بعد العقد.
ويمكن الترجيح- والله أعلم- بالتفريق بين حالتي وجوب المتعة واستحبابها:
- الوجوب: تكون المتعة واجبة إذا طلقت المرأة قبل الدخول ولم يفرض لها صداق، وذلك بنص الآية: ]لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ[([30]).
- الاستحباب: وتكون مستحبة في الطلاق قبل الدخول وبعد الفرض، وكذا في الطلاق بعد الدخول.
ثانيا: الجانب القانوني
لم ينص المشرع الجزائري على المتعة المقررة شرعا لمن طلقها زوجها كما هو مذهب الجمهور، وإنما أكدتها الاجتهادات القضائية الصادرة عن المحكمة العليا بوصفها تعويضا عن الطلاق التعسفي بمفهومه الحديث، وليست أثرا من آثار الطلاق.
وهذا ما جاء في القرار الصادر بتاريخ 29/12/1986 على أنه:"من القواعد المقررة شرعا أن المتعة لمن طلقها زوجها وليست لمن طلقت نفسها بحكم، ومن ثم فإن القضاء بما يخالف هذا المبدأ يعدّ مخالفا للنصوص الشرعية في فرض المتعة. ولما كان من الثابت في قضية الحال أن الزوجة أقامت دعوى التطليق واستجابت المحكمة لطلبها ووافق المجلس عليه الذي يعدّ وحده عقابا للزوج بسبب إهماله، فإن القضاء بالمتعة للمطلقة يعدّ مخالفا للنصوص الشرعية. ومتى كان كذلك استوجب نقض القرار جزئيا فيما يخص المتعة"([31]).
غير أن هذا القرار لم يفرق بين استحقاق المرأة للمتعة (التعويض) بسبب طلبها التطليق لضرر أصابها، أو التطليق خلعا بعوض أو بغير عوض، ومنه فلا يجب لها التعويض.
على أن المتعة المقررة شرعا إنما تجب لكل مطلقة، سواء كان الطلاق تعسفيا أم كان بوجه مشروع.([32]) وإنما وقع هذا اللبس في موجب المتعة بحكم الاختلاف في مفهوم التعسف في الطلاق بين ما هو مقرر في الفقه الإسلامي، وبين تكييفه القانوني على أنه الطلاق بغير مبرر، ومن ثم يحكم بالمتعة (بمعنى التعويض)، بخلاف ما ذهب إليه الفقه الإسلامي من أن المتعة إنما تجب لكل مطلقة-على رأي القائلين بوجوبها-.
الفرع الرابع: مدى حق المطلقة تعسفيا في التعويض في قانون الأسرة الجزائري
أولا: طبيعة الإرادة المنفردة للزوج في إيقاع الطلاق
انطلاقا من أن الطلاق جعل بيد الرجل كحق أصيل له، إلا أن هذا الحق غير مطلق، إذ يمارسه الرجل وفق ضوابط شرعية ووفق ما تدعو إليه الحاجة، وبذلك لا يكون متعسفا في استعمال حقه في الطلاق بوجه عام.
إلا أن استعمال الرجل لهذا الحق يختلف في طبيعته عن نظرية الحق في القانون المدني وفق المادة 124 مكرر والتي تنص على أنه:"يشكل الاستعمال التعسفي للحق خطأ لا سيما في الحالات الآتية:
- إذا وقع بقصد الإضرار بالغير.
- إذا كان يرمي للحصول على فائدة قليلة بالنسبة إلى الضرر الناشئ للغير.
- إذا كان الغرض منه الحصول على فائدة غير مشروعة"([33]).
أي أن صاحب الحق المخول له قانونا إذا ما استعمله في حدود ما ذكر في هذه المادة يكون متعسفا في استعمال الحق، وبالتالي يُحمّل المتعسف مسؤولية تعسفه ويلزم بالتعويض. فمسألة الإثبات في وجود التعسف تقع على الطرف المتضرر، فإذا ما استعمل الشخص حقه القانوني في إحداث أثر قانوني، فالأصل أنه لا يلام على استعماله لهذا الحق إلا إذا ثبت أنه متعسف فيه للإضرار بالغير، وعلى المتضرر إثبات التعسف سعيا وراء تعويضه، ولا يلزم من استعمل حقه بإثبات مبررات استعماله لهذا الحق وفقا للمادة 124 مكرر.
ويكمن الاختلاف بين حق الزوج في استعماله الحق في الطلاق وبين الحق في القانون المدني في مسألة الإثبات، أن الزوج يعدّ بصفة آلية متعسفا في استعمال الحق تجاه الزوجة إلا إذا أثبت هو عكس ذلك. إذ أنه من طبيعة خاصة لأن مصدره العصمة الزوجية المستمدة أساسا من الشريعة الإسلامية، وأن تعويض الزوجة في حال الطلاق لا ينطلق من المادتين 124 و 124 مكرر من القانون المدني، وإنما مصدره مسؤولية الزوج في الطلاق كونه صاحب العصمة الزوجية شرعا.
وهذا ما أكدته المحكمة العليا في قرارها الصادر بتاريخ 22/2/2000 جاء فيه ما يلي:"إن الحكم بالتعويض عن الضرر طبقا لقواعد المسؤولية التقصيرية لا يمكن أن يشمله التعويض عن الطلاق"، وفي تأكيدها على هذا المبدأ جاء في القرار:"لكن وحيث أن التعويض والنفقة المحكوم بهما هي ناتجة عن مدى تحمل الزوج مسؤولية الطلاق وتقدير نفقة الإهمال وهذه المبالغ لا تدخل في تعويض الأضرار الناتجة عن التعسف الذي يكون بنية إلحاق الضرر بالغير، كما لا تدخل في التعويض الناتج عن المسؤولية التقصيرية وهي الأضرار المنصوص عليها في المادتين 41 و124 من القانون المدني.
وبالتالي فلما كان مبلغ التعويض والنفقة المحكوم بهما لا تدخل تحت الأضرار المنصوص عليها في هاتين المادتين فإن قضاة الاستئناف لم يخالفوا القانون، وأن قرارهم يكون سليما، غير أنه تجدر الإشارة إلى أن الطاعنة إن كان قد لحقها ضرر ناتج عن التعسف بمفهوم المادة 41([34]) من القانون المدني أو لحقها ضرر ناتج عن المسؤولية التقصيرية طبقا لمقتضيات المادة 124 فعليها أن تثبت الضرر المذكور في دعوى مستقلة وتطلب التعويض مقابل ذلك"([35]).
وفي ذلك تأكيد على أن الحق الأصيل المخول للزوج في إيقاع الطلاق من طبيعة خاصة يختلف عن الحق المنصوص عليه في القانون المدني([36]).
[3]- عبد العزيز حمد آل مبارك الإحسائي: تدريب السالك إلى أقرب المسالك، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1، 1988، 3/160.
[9]- وخلاف الفقهاء حول حكم متعة المطلقة بين مدخول بها وغير مدخول، وبين من سمي لها مهرا أولم يسمّ مشهور في كتب الفقه الإسلامي. انظر تفصيلا أكثر في ذلك. الجصاص: أحكام القرآن،1/428.
[14]- والمعتبر في تقدير المتعة أن تكون بحسب حال الزوج، وقيل يعتبر بحالهما، فإن كانا غنيين فلها الأعلى من الثياب، وإن كانا فقيرين فلها الأدنى، وإن كانا مختلفين فلها الوسط، وفي كل ذلك يشترط أن لا تزيد عن نصف مهر المثل.الجصاص: أحكام القرآن، 1/433. السباعي:شرح قانون الأحوال الشخصية، 1/197.
[19]- راجع أدلة ما ذهب إليه كل فريق: عبد الكريم زيدان: المفصل، 7/129 وما بعدها. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته 7/316 وما بعدها.
[21]- محمد الشنقيطي الموريتاني: تبيين المسالك لتدريب السالك إلى أقرب المسالك، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان،ط1، 1988، 3/160.
[23]- انظر،ابن العربي: أحكام القرآن، 1/217. القرافي: الذخيرة، 4/448. عبد الكريم زيدان: المفصل، 7/130.
[32]- يجب أن يلاحظ الفرق بين طلب المرأة التطليق للضرر الذي يوجب لها الحق في المتعة، وبين طلب المرأة الفرقة عن طريق الخلع أو الطلاق على مال، فلا تجب لها المتعة في هذه الحال.
هذا الدرس غير جاهز لبدئه بعد