درس
المحاضرة الثامنة: القيود الواردة على حق اللجوء إلى الخلع
متطلبات الإكمال
المحاضرة الثامنة:
القيود الواردة على حق اللجوء إلى الخلع
مما سبق بيانه يمكن استنتاج أهم القيود الواردة على حق اللجوء إلى الخلع بالنسبة للمرأة كوسيلة للخلاص من رابطة الزوجية على وجه لا رجعة فيه للزوج إلا برضاها، فيرتفع بذلك الضرر عنها، وهذا الحق ليس على إطلاقه أيضا كما في حالة الطلاق بالنسبة للرجل، بل ترد عليه قيود تضبطه، أهمها([1]):
أ- يجب أن يكون المقصود من الخلع تحقيق الحكمة التي دعت إلى تشريعه، وهي تمكين الزوجة من الخلاص من رابطة الزوجية عندما يتحقق لها فوات الغرض المقصود من النكاح لعدم التوفيق في حياتها الزوجية، فإن قصد به غير ذلك لم يحل الخلع شرعا، وتطبيقا لذلك يحرم على الزوجة أن تطلب الخلع من غير حاجة مشروعة إليه، فإن سؤال المرأة زوجها الطلاق بغير ما بأس يعدّ إثما لقوله r:" أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة"([2]).
كما أنه لا يحقق الخلع حكمته المشروعة في حال نشوز الزوج؛ لأن للزوج أن يطلق من غير حاجة لرضا الزوجة ودفعها بدلا، وقد أجمع الفقهاء على أن الخلع لا يحل إذا كان النشوز من الزوج، حتى لا يدفعها لأن تفتدي نفسها بمالها، قال ابن قدامة"([3]):" فإن عضل زوجته وضارها بالضرب والتضييق عليه، أو منعها حقوقها من النفقة والقسم ونحو ذلك لتفتدي نفسها منه ففعلت فالخلع باطل والعوض مردود"([4]) لقوله تعالى:]وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ[([5])، وقوله تعالى:] وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا[([6]).
ب- ألا يترتب على الخلع ضرر بالغير، وهذا الضرر قد يلحق الزوجة، كما قد يلحق غيرها، وقد عمل الفقهاء فيما قرروه من الأحكام على منعه، والقاعدة في ذلك هي أن ما شمله الاتفاق على الخلع يسري على الطرفين إلا في الحالة التي تضر بالغير، فإن اتفاق الزوجين يتقيد من نفسه بما لا يمس حق غيرهما، وذلك يرجع إلى أن حق الغير محافظ عليه شرعا ولو عند استعمال الإنسان لخالص حقه. ومن أمثلة هذا القيد:
1- خلع المريضة مرض الموت: يجوز الخلع من الصحيحة والمريضة إلا أنه لما كان أساس الخلع أنه يتم بعوض مالي([7])، فقد قيد الفقهاء حق الزوجين في تقدير بدل الخلع إذا كانت الزوجة مريضة مرض الموت لأنهما يتهمان في هذه الحالة بقصد الإضرار بالورثة([8]). ولذلك اتفق الفقهاء على صحة الخلع، ويأخذ الزوج من بدل الخلع القدر الذي تنتفي معه شبهة الإضرار بالورثة([9]).
2- كما لا يصح أن تكون الحضانة بدل الخلع؛ لأن حق المحضون أولى من حق الحاضن، فيصح الخلع ويبطل الشرط([10]).
3- للزوجة أن تختلع من زوجها على أن تقوم بنفقة ولدها منه مدة معينة وتلتزم هي بالنفقة، إلا أنها إذا أعسرت أجبر الزوج على الإنفاق على ولده ويرجع عليها عند يسارها.
والحكمة في كل هذا صيانة حق الولد ودفع الضرر عنه([11]). وفي هذا بيان لمدى خطورة اللجوء إلى الخلع كسبب من أسباب التفريق بين الزوجين لما يترتب عليه في الغالب الأعم من الإضرار بالأبناء نفسيا ومعنويا واجتماعيا([12]) لتفكك الأسرة وتهدمها، فلا يجب اللجوء إليه إلا إذا توافرت أيٌّ من الحِكم التي شرع الخلع من أجلها.
الفرع السادس: التكييف الفقهي للخلع
اختلف الفقهاء في وصف الخلع هل يقع طلاقا بائنا يحتسب من عدد الطلقات أم أنه فسخ ينقض العقد ولا يحتسب من عدد الطلقات التي يملكها الزوج على زوجته، على النحو الآتي:
أولا: يرى جمهور الفقهاء أن الخلع طلاق بائن؛ لأنه لو كان للزوج رجعة في العدة لم يكن لافتدائها بالمال فائدة، فهي قد بذلت المال لتملك نفسها ولا تعود إليه إلا برضاها، فلذا كان بائنا([13]). ومن جهة أخرى فإن الفسخ يقتضي الفرقة دون اختيار الزوج، أما الخلع فإنه يرجع إلى اختياره فلا يكون فسخا([14]).
ثانيا: ويرى الشافعي في القديم([15]) وأحمد -في رواية- أن الخلع فسخ للنكاح، وهو قول ابن عباس-رضي الله عنهما-([16]) وإذا كان فسخا لا ينقص به عدد الطلقات. واحتج بقوله تعالى:] الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ[([17]) ، وقوله تعالى: ] فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [([18]) وقوله تعالى:] فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ[([19]). فذكر الله تعالى تطليقتين والخلع تطليقة بعدها، فلو كان الخلع طلاقا لكان أربعا، ولأن الخلع فرقة خلت عن صريح الطلاق ولا نيته فكانت فسخا([20]).
المطلب الثاني: الخلع بين الرخصة والحق الأصيل
مما سبق بيانه يتضح أنّ الأصل في الخلع في الشريعة الإسلامية أن يقع بالتراضي بين الزوجين واتفاقهما، على خلاف ما ذهب إليه المشرع الجزائري من جعل الخلع حقا من حقوق الزوجة تلجأ إليه دون مراعاة حقّ الزوج في الموافقة أو الاعتراض، كما أنه لم يبين صراحة مدى سلطة القاضي في إجبار الزوج على تلبيته لطلب الخلع من طرف الزوجة، إلا أن مفهوم نص المادة 54 يقتضي ذلك.
وعليه لا بد من بيان الآثار الفقهية للخلع، والشروط الواجب توافرها في المختلعة، وكذا بيان مدى سلطة القاضي في إيقاع الخلع جبرا عن الزوج، وذلك من خلال ما يأتي:
الفرع الأول: الآثار الفقهية للخلع
الوضع الفقهي للخلع أنه عقد ينعقد بإيجاب وقبول، وهو افتداء من الزوجة ببذل مال للزوج مع التزامها بدفعه مقابل خلاصها من الزوج، فإنه يعتبر معاوضة من جانبها، لكنها ليست معاوضة محضة بل فيها شبه بالتبرعات.كما يعتبر يمينا من جانب الزوج، لأنه علق طلاق زوجته على قبول المال، والتعليق يعتبر يمينا عند الفقهاء([21])، واعتباره معاوضة من جانب الزوجة يرتب الأحكام الآتية:
أولا: الآثار المترتبة على الخلع باعتباره معاوضة
1- أن الزوجة لو ابتدأت بالخلع فقالت: اختلعت نفسي منك بكذا، كان لها أن ترجع عن هذا الإيجاب قبل قبول الزوج، لأن الإيجاب في المعاوضات يصح الرجوع عنه قبل صدور القبول من الطرف الآخر.
2- أن الزوجة لو كانت حاضرة في المجلس فلا بد من قبولها فيه، وإن كانت غائبة عنه فلا بد من قبولها في المجلس الذي تعلم فيه بالخلع، فإن قامت من المجلس بعد سماعها لفظ المخالعة من الزوج، أو بعد علمها بذلك بطل الإيجاب، فلو قبلت بعد ذلك لا يقع الخلع، لأن المعاوضة المالية تبطل إذا تفرق المتعاقدان بعد الإيجاب وقبل القبول.
3- لاعتبار العقد بالنسبة لها معاوضة في معنى التبرع اشترط في الخلع بالنسبة لها أن تكون مع صلاحيتها لإيقاع الخلع عليها أهلا للتبرع، فلا بد لثبوت بدل الخلع عليها من أن تكون بالغة عاقلة رشيدة-وسيأتي بيان ذلك- لأن من لا يستوفي هذه الشروط ليس أهلا للتبرع، وإنما اعتبر من جانبها معاوضة في معنى التبرع لأن بدل الخلع لا يوجد مال في نظيره، وإنما هو افتداء نفسها بهذا المال، فلا يمكن اعتباره معاوضة خالصة، لأن المعاوضة الخالصة تكون في نظير مال أو ما في معناه.
4- يجوز للزوجة أن تشترط لنفسها الخيار في مدة معلومة يكون لها فيها الحق في القبول أو الرفض، لأن الخلع من جانبها معاوضة، والمعاوضات يصح فيها اشتراط الخيار. وبناء عليه لا يصح للزوجة أن تعلق الخلع على شرط ولا أن تضيفه إلى زمن مستقبل([22]).
ثانيا: الآثار المترتبة على الخلع باعتباره يمينا
واعتبار الخلع يمينا من جانب الزوج يرتب الأحكام الآتية:
1- لا يجوز للزوج إذا ابتدأ بالخلع أن يرجع فيه قبل قبول الزوجة لأنه تعليق، والتعليق لا يجوز الرجوع فيه، وعلى ذلك لو صدر إيجاب بالخلع من الزوج في المجلس ثم قام منه قبل قبول الزوجة له لا يبطل الإيجاب بالخلع بقيامه من المجلس، فلو قبلت الزوجة الخلع بعد قيام الزوج كان قبولها صحيحا ويقع الخلع، لأن القيام من المجلس يعتبر رجوعا عن الإيجاب دلالة، وإذا كان الزوج لا يملك الرجوع عن الإيجاب صراحة فلا يملك الرجوع عنه دلالة من باب أولى، لأن التعليق لا يمكن الرجوع فيه.
2- إيجاب الزوج في الخلع يجوز تعليقا على شرط، كما يجوز إضافته إلى زمن مستقبل، فإن قبلت الزوجة عند وجود الشرط المعلق عليه، أو عند حلول الوقت المضاف إليه وقع الخلع ولزمها المال وترتبت عليه آثاره الخاصة، ولكن لا يجوز لها أن تعلق إيجابها على أمر من الأمور، لأن عقود التمليكات لا يجوز تعليقها، بل لا تكون إلا بصيغة منجزة، والخلع تمليك مال بالنسبة لها، فيأخذ كل أحكام التمليك.
3- لا يصح للزوج أن يشترط لنفسه الخيار في مدة معلومة لأنه لا يملك الرجوع عن الخلع، واشتراط الخيار يجعل له الحق في الرجوع عنه في مدة الخيار، وهذا مخالف لمقتضى التصرف الذي صدر منه، والشرط إذا خالف مقتضى التصرف لا يكون صحيحا، فإذا اشترط كان الشرط باطلا، لكن لا يبطل الخلع به لأن الخلع لا يبطل بالشروط الفاسدة، فلو خالع زوجته على أن له الخيار ثلاثة أيام وقبلت الزوجة وقع الخلع في الحال ولزمها المال المتفق عليه([23]).
وبالرغم من هذا، فإن الخلع بمفهومه وتكييفه السابقين لا يمكن تصوره إلا في حالة توافر التراضي بين الزوجين، إذ يعتبر الرضا كاف بذاته لتحقيق الآثار المرجوة منه دون حاجة إلى القاضي ليقرره، أما في حال تخلف الرضا من قبل الزوج وأرادت الزوجة أن تختلع منه، فهنا تظهر الحاجة إلى القاضي ليكون الخلع قضاء لا اتفاقا([24]). ولعلّ هذا هو مقصود المالكية عندما قالوا:"جاز الخلع كونه بحاكم أو بلا حاكم"([25])؛ أي قضاء بحاكم أو اتفاقا بلا حاكم.
الفرع الثاني: الشروط الواجبة في المختلعة
إذا كان الخلع فرقة في مقابل مال تلتزمه المرأة لزوجها؛ لذا يشترط كونها في زواج صحيح وأهلا للتصرفات المالية، بأن تكون بالغة عاقلة راشدة ليصح خلعها عن نفسها بالاتفاق([26]). جاء في مغني المحتاج:"وشرط قابله-أي الخلع- أو ملتمسه ليصح خلعه من زوجة أو أجنبي إطلاق تصرفه في المال بكونه مكلفا غير محجور عليه، أي بالنسبة لثبوت المال"([27])، وجاء في بداية المجتهد:"لا خلاف عند الجمهور أن الرشيدة تخالع عن نفسها"([28]).
ولكن ما الحال إذا لم تكن الزوجة المختلعة أهلا للتصرف بأن كانت قاصرا، فهل يصح خلعها ويلزمها المال أم لا([29])؟.
أولا: خلع الصغيرة
لا خلاف بين الفقهاء([30]) في أن الزوجة المحجور عليها لصغر إذا خالعت زوجها لا يصح خلعها، ولا يلزمها ما بذلت من مال كعوض له، جاء في كشاف القناع:"إن خالعته المحجور عليها لسفه أو صغر أو جنون لم يصح الخلع، ولو أذن فيه الولي، لأنه تصرف في المال وليست من أهله"([31]).
إلا أنهم اختلفوا في وقوع الطلاق ووصفه على أربعة أقوال:
القول الأول: فرّق الحنفية بين ما إذا جرى الخلع من صغيرة من أهل القبول أو صغيرة ليست من أهل القبول، فإن لم تكن من أهل القبول بأن كانت لا تعرف أن النكاح جالب المهر والاستمتاع، والخلع سالب للعوض، وقبلت أو لم تقبل الخلع لا تطلق. أما إن كانت من أهل القبول بعلمها أن النكاح جالب والخلع سالب تطلق رجعيا لوجود القبول منها، ولا يلزمها المال المخالع به لعدم صلاحيتها للتبرع بشيء من مالها([32]).
القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن الزوجة الصغيرة إذا خالعت زوجها تبين ولا يلزمها العوض، وإن أخذه الزوج فعليه رده، مالم يشترطه لوقوع الطلاق، بقوله: إن تم لي هذا المال، أو إن صحت براءتك فأنت طالق([33]).
القول الثالث: يرى الشافعية أن خلع الصغيرة وقبولها-مميزة أو غير مميزة- لغو لا يقع به شيء من الطلاق، لانتفاء أهلية القبول وعدم اعتبار عبارتها([34]).
القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أن الزوجة الصغيرة إذا خالعت زوجها يقع طلاقها رجعيا، إذا كان بلفظ الطلاق أو نيته -وكان دون الثلاث- وإن لم يكن اللفظ مما يقع به الطلاق كان لغوا فلا يقع به شيء([35]).
ثانيا: خلع السفيهة
اختلف الفقهاء في حكم خلع السفيهة عن نفسها هل يصح الخلع ويلزم المال أم لا؟ على رأيين:
الرأي الأول: يرى الحنفية([36]) أن خلع الزوجة الكبيرة غير الرشيدة والمحجور عليها لسفه عن نفسها على مال هو مهر أو غيره جائز، ويقع به الطلاق بائنا إذا كان بلفظ الخلع-والغير صريح في الطلاق- بينما تطلق رجعيا إذا كان بصريح لفظ الطلاق، وفي الحالتين لا يلزم المال المبذول من المرأة لعدم ثبوت حقها في التبرع بشيء من أموالها بسبب السفه. جاء في حاشية ابن عابدين:"وإذا بلغت المرأة مُفسدة([37]) فاختلعت من زوجها بمال جاز الخلع، لأن وقوع الطلاق في الخلع يعتمد القبول، وقد تحقق منها ولم يلزمها المال؛ لأنها ألزمته لا لعوض هو مال ولا لمنفعة ظاهرة، فإن كان طلقها تطليقة على ذلك المال يملك رجعتها؛ لأن وقوعه بالصريح لا يوجب البينونة إلا بوجوب البدل بخلاف ما إذا كان بلفظ الخلع"([38]).
الرأي الثاني: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الزوجة السفيهة لا يجوز أن تنفرد بالمخالعة عن نفسها، ولا يلزمها المال، واختلفوا فيما يقع من طلاق إذا لم يقع باختلاعها الخلع على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب المالكية إلى أن السفيهة غير الرشيدة يقع عليها الطلاق البائن، ولا يلزمها العوض المبذول للزوج عند الاختلاع، فإن أخذه رده إن لم يشترط لوقوع الطلاق ونفاذه([39]).
القول الثاني: يرى الشافعية أن مخالعة السفيهة -المحجور عليها وغير المحجور عليها- لزوجها قبل الدخول يقع به طلاقا بائنا، بخلاف ما إذا اختلعت بعد الدخول فإنه رجعي([40]).
القول الثالث: ذهب الحنابلة إلى تطليق السفيهة عند مخالعتها مع الزوج رجعيا، إذا خالعت بلفظ الطلاق، وإن لم يكن اللفظ مما يقع به الطلاق لا يقع به شيء من الطلاق وكان لغوا([41]).
ثالثا: خلع المحجور عليها لفلس
ذهب الشافعية([42]) والحنابلة([43]) إلى أنه يجوز خلع المحجور عليها لفلس، بينما يختلف حكم وقوعه تبعا للعوض المخالع به، والذي قد يكون قدرا من المال تلتزمه دينا في ذمتها، أو يكون عينا من مالها على النحو الآتي:
أولا: المخالعة على قدر من المال، إذا اختلعت المحجور عليها لفلس على قدر من المال- غير المحجور عليه- تلتزمه دينا في ذمتها صح الخلع؛ لأنّ لها ذمة مالية يصح تصرفها فيه، ويستوفيه منها الزوج متى رفع الحجر عنها وأيسرت، ولا يحق له مطالبتها باستيفائه زمن الحجر عليها، كما لو كان له دينا في ذمتها أو باعها شيئا وثمنه دينا له عليها. قال البهوتي:"ويصح الخلع من زوجة محجور عليها لفلس على مال في ذمتها لصحة تصرفها فيها كاقتراضها وتُطالب به إذا انفك حجرها وأيسرت لا إن خالعته بعين مالها"([44]).
ثانيا: المخالعة على قدر معين من مالها، إذا جرى خلع المحجور عليها لفلس مع زوجها على عين من مالها لا يصح خلعها لعدم خلاص هذا المال لملكيتها ملكية تامة بتعلق حق الغرماء فيه، ويقع طلاقها بائنا، وللزوج أن يرجع عليها بمهر المثل إذا انفك الحجر عليها([45]).
الفرع الثالث: حكم تلبية الزوج لطلب الخلع
اختلف الفقهاء في حكم تلبية الزوج لطلب زوجته الخلع على رأيين([46]):
الرأي الأول: لجمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية أنه يستحب للزوج تلبية طلب زجته للخلع، ومن ثم فللزوج رفض طلب زوجته، ولا يجبر عليه -وإلا صار واجبا- الأمر الذي يترتب عليه انتفاء إرادة الزوجة في إيقاع الفرقة بالخلع دون رضا الزوج. قال البهوتي:"وتسن إجابتها –أي الزوجة- إذا سألته الخلع على عوض"([47]). وجاء في المحلى:"فلها أن تفتدي منه ويطلقها إن رضي هو وإلا لم يجبر هو"([48]).
واستدل الجمهور بأن أمر النبي r الوارد في الحديث "أقبل الحديقة وطلقها تطليقة"([49]) يفيد الإرشاد والإصلاح لا الإيجاب والحتم بإجراء الخلع([50]).
الرأي الثاني: ذهب المالكية إلى القول بوجوب استجابة الزوج لرغبة امرأته في طلب الخلع، ومن ثم فللمرأة الإرادة المنفردة في الحصول على الطلاق بالخلع بإجبار الزوج عليه لوجوبه([51]).
قال ابن رشد:"والفقه أن الفداء إنما جعل للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق فإنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا فرك المرأة جعل الخلع بيد المرأة إذا فركت الرجل"([52]).
واستدلوا على ذلك بأن الأمر في الحديث "اقبل الحديقة وطلقها وتطليقة" يفيد وجوب تلبية الرجل لرغبة زوجته في طلب الخلع لبقاء وعدم انصراف الأمر عن أصله في إفادة الوجوب.
كما قاسوا إرادة المرأة في تحصيل الطلاق خلعا على عوض وإرادة الرجل في إيقاع الطلاق بها متى شاء دون اعتبار لرضاها بجامع مشترك هو الكراهية الداعية إلى الفرقة، وعدم الرغبة في استمرار الحياة الزوجية([53]).
كما أن المعقول يقضي بأن الإبقاء على زوجة كارهة ومبغضة لزوجها وبيتها قد يؤدي إلى كثير من الانحرافات والآثام، ومنع المنكر واجب فكان الخلع وهو طريق المنع واجبا([54]).
الترجيح
القول باستحباب تلبية الزوج لطلب زوجته الخلع، فإن حالة عدم موافقة الزوج قد تؤدي إلى الإضرار المعنوي بالمرأة لاستمرار حياتها الزوجية مع زوج كارهة له؛ إلا أن هناك أضرارا أشد قد تقع عند القول بإلزام الزوج وإجباره على قبول طلب زوجته للخلع، إذا ما قورنت بما تتعرض له المرأة من أضرار نفسية. فيكون ذلك سببا في إحجام الشباب عن الزواج وتكوين أسرة، ومن ثم لا عمارة للأرض، ولا وقاية من الوقوع في المعصية لسهولة حصول الزوجة على الانفصال متى أرادات ذلك، وهو ما ينتج عنه كثرة وقوع الطلاق وهدم الأسر، الأمر الذي يؤدي إلى ضياع مقاصد الشرع في تشريع الزواج.
كما أن إلزام الزوج على الموافقة على طلب الزوجة خلعها يؤدي إلى فتح الباب واسعا لإيقاع الفرقة بينهما، وهذا مخالف لأصل تشريع الطلاق الذي ضيق الشارع من مجالاته، وجعله علاجا لحالات استثنائية.
ومنه فإن رأي الجمهور في هذه المسألة هو الأقرب في تحقيق مقاصد وأهداف الزواج التي تتمثل في الديمومة والإصلاح بين الزوجين عند التنافر والشقاق.
ويميل أبو زهرة إلى ترجيح رأي المالكية ولكن بعد تعذر الإصلاح بين الزوجين، حيث يقول:"بهذا يتبين أن المذهب المالكي يتسع للخلع إن فركت المرأة زوجها، ولكن بعد تحكيم الحكمين ومحاولة الإصلاح والعجز عنه، ويقر القاضي ما يرتئيان ولو كان خلعا"([55]).
[4]- وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة العقد صحيح والعوض لا زم وهو آثم عاص. ابن قدامة: المغني، 10/272.
[8]- اختلف الفقهاء حول المقدار الذي يجوز للمرأة في حال مرضها أن تخالع به ويكون للزوج أخذه إن فارقت المختلعة الحياة في العدة على أربعة أقوال: فيرى الحنفية أن العوض المبذول من المختلعة في حال مرضها مرض الموت يعتبر من ثلث مالها، لكنه يعطى الثلث دفعا لتهمة المواضعة. بينما ذهب المالكية إلى أن المريضة إذا خالعت زوجها بأكثر من مقدار إرثه منها صح الخلع وردت الزيادة، ولا توارث بينهما في جميع الأحوال ، هذا على القول الأول. أما القول الثاني عندهم فيرى أنه لا يجوز خلع المريضة مرضا مخوفا إذا اختلعت بأكثر من مقدار إرث الزوج منها وتطلق بائنا، ولا شيء من المال للزوج ولا يتوارثان. وذهب الشافعية إلى أن الزوجة إذا اختلعت في حال المرض لها أن تخالع بقدر مهر مثلها أو بأقل أو بأكثر منه على أن يخرج العوض إذا ساوى مهر المثل أو دونه من رأس المال، لأن مقدار العوض المبذول هو قيمة ما تملكه، وأما إذا زاد العوض عن مهر المثل يخرج قيمة مهر المثل من جميع التركة والزيادة من ثلثها، لأنها بمثابة التبرع فتأخذ حكم الوصية للأجنبي تنفذ في حدود الثلث، فإن زادت عليه فالأمر يقدره الورثة بالإجازة. بينما ذهب الحنابلة إلى أن العوض المخالع به من الزوجة في مرض موتها يعتبر ميراث الزوج منها، فإن قل عنه أو ماثله صح الخلع، وإن زاد عن قيمته وقع الخلع وبطلت الزيادة، وللورثة استراجاعها من الزوج. انظر، ابن عابدين: رد المحتار،3/460. الدسوقي: حاشية الدسوقي، 2/354-355. الشربيني: مغني المحتاج،3/350. ابن رشد: بداية المجتهد، 2/69. البهوتي: كشاف القناع،5/228-229.
[12]- والحقيقة أن هذا القيد لا يسري على حالة الإضرار بالأبناء نفسيا ومعنويا كأثر مترتب على الخلع، لأن القول بغير ذلك يعني منع وقوع الخلع بين الزوجين للأبد ما دام هناك أبناء حتى لا يترتب عليه ضرر بهم، ومن ثم يتعطل الحكم الشرعي المتعلق بالخلع.
[13]- انظر، ابن رشد: بداية المجتهد، 2/69. الدسوقي: حاشية الدسوقي، 2/351. البهوتي: كشاف القناع، 5/216.
[15]- وفي قول نص عليه الشافعي في الأم أنه لا يحصل به شيء لا فرقة بطلاق ولا فسخ. وأما في مذهبه الجديد فيحصل بالخلع طلقة بائنة تنقص من عدد الطلقات.الشربيني: مغني المحتاج، 3/354.
[21]- انظر، سامح سيد محمد: الخلع بين المذاهب الفقهية الأربعة، ص 103. أحمد إبراهيم بك: أحكام الأحوال الشخصية، ص 357-358.
[22]- انظر، سامح سيد محمد: الخلع بين المذاهب الفقهية الأربعة، ص 105-107. أحمد إبراهيم بك: أحكام الأحوال الشخصية، ص 358-359.
[23]- انظر، سامح سيد محمد: الخلع بين المذاهب الفقهية الأربعة، ص 103-105. أحمد إبراهيم بك: أحكام الأحوال الشخصية، ص 358-359.
[29]- للإشارة فإن المشرع الجزائري لم يتطرق إلى الشروط الواجبة في المختلعة، ولم يبين حكم القاصرة في طلب الخلع. وبالرجوع إلى المادة السابعة في فقرتها الأخيرة من قانون الأسرة التي نصت على أنه:"يكتسب الزوج القاصر أهلية التقاضي فيما يتعلق بآثار عقد الزواج من حقوق والتزامات"، فإن القاصر لا يكون بمقدروها الالتزام بدفع العوض في الخلع، ومن ثم فلا يصح الخلع من القاصر كما قررالفقهاء ذلك اتفاقا.
[30]- ابن قدامة: المغني،10/307.الدسوقي:حاشية الدسوقي،2/348.الجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة، 4/352.
[32]- انظر، محمد زيد الأبياني: شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية، مطبعة النهضة، مصر، ط3، 1920، 1/411-412. عبد الرحمن الجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة، 4/352-353. أحمد إبراهيم بك: أحكام الأحوال الشخصية، ص 371.
[46]- يرجع سبب الاختلاف إلى حقيقة صفة الأمر الوارد في قوله لثابت بن قيس:"اقبل الحديقة وطلقها تطليقة"، هل يحمل على الوجوب أم على الندب والاستحباب، فمن فهم أن الأمر يحمل على الوجوب جعل حكم إجابة الزوج لطلب الزوجة بالخلع الوجوب، ومن حمل الأمر على الندب جعل رضا الزوج معتبرا في قبول طلب الخلع من الزوجة.
هذا الدرس غير جاهز لبدئه بعد