خصائص الشريعة الإسلامية
للشريعة الإسلامية خصائص تميزها عن باقي الشرائع السماوية السابقة وتميزها عن القوانين الوضعية ، في ما يلي نشير إلى أهم الخصائص التي تتميز بها الشريعة الإسلامية.
1 - ربانية الشريعة الإسلامية:
مصدر الشريعة الإسلامية هو الله عز وجل فهي وحي منزل على رسولنا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام لفظا ومعنا ،فالله هو المصدر الوحيد للدين الإسلامي بكل ما فيه من قواعد وأحكام وهذه هي أهم ميزة تتميز بها الشريعة الإسلامية عن الشرائع الوضعية، وعليه فإنه من البديهي أن نجدها خالية من القصور و النقص فأحكامها تتصف بالكمال على عكس الشرائع الوضعية التي لا تخلو من النقص والثغراث والتناقض .
أحكام الشريعة مستمَدّة من وحي لله لفظاً ومعنى وهو: القرآن الكريم، أو معنى من عند الله ولفظاً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي: السُّنّة. وكون الشريعة من عند الله ورسوله، فهذا يحفظها من الخطأ، ويعصمها من الهوى، ويصونها من عبث العقول وتقلّبات الدّهر وحوادث الأيام؛ فإن نصوص القرآن والسّنّة تحمل بين ثناياها أموراً ثابتة لا تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان، وهي: العقائد والعبادات والأخلاق، وتشتمل على قضايا وقواعد عامّة للبشر أن يجتهدوا في حدودها وفْق ما يُحقّق المصلحة الإنسانية ويدفع عنها الضرر.
فهي لا تجنح للْجوْر، ولا تميل للظلم، ولا تكبت رغبة، ولا تصادر فطرة، بخلاف قوانين وشرائع البشَر التي تتلاعب بها الأهواء، وتعبث بها العقول، وتُصاغ وفْق رغبات واضعيها، وتتغيّر وتتبدّل مع شارد ووارد. أمّا أحكام الله فلا تتغير ولا تتبدّل، قال تعالى: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}.
2- قيام الشريعة الإسلامية على مبدأ المساواة بين الجميع :
فأحكامها تطبّق على أعلى الناس وأدناهم، وأفقرهم وأغناهم، ولا تمييز في إقامة دين الله وشرائعه بين جنس أو لون أو إنسان؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}
قال -صلى الله عليه وسلم-: ((يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإنّ أباكم واحد. ألا لا فضْلَ لعربيّ على أعجميّ، ولا لأعجميّ على عربيّ، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلاّ بالتقوى))، رواه البيهقي.
والدليل على تلك المساواة المطلَقة: قضيّة المرأة من بني مخزوم التي سرقت، فجاء أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- يشفع لها عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ((أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟))، ثم قال -عليه السلام-: ((إنما أهلَك من كان قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريفُ ترَكوه، وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدّ. وأيْمُ الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقتْ لقطعتُ يدها)).
3- للشريعة جزاء دنيوي وجزاء في الآخرة :
من خصائص الشريعة الإسلامية: أنّ ثوابها وجزاءها في الدنيا والآخِرة، بخلاف الأحكام الوضعية فجزاؤها يتوقّف على الدنيا فقط، ممّا يجعل الناس يستهينون بها ويتهرّبون من تنفيذها. وبعض العقوبات تسقط بمُضيّ المدّة، بخلاف أحكام الشريعة فإنّ من يتهرّب منها في الدنيا يجد الجزاء والعقوبة له بالمرصاد في الآخِرة، فأحكام الشريعة لها هيبةٌ في القلوب واحترامٌ في نفوس المؤمنين، يتقبّلونها طواعية ويقيمونها عن رغبة صادقة، لأنها صادرة عن الله ورسوله، أمّا قوانين البشر الوضعية، فيُضرب بها عرض الحائط، ويُتحايل عليها، وتَفقد احترام وهيبة الناس لها.
4 -عالمية الشريعة الإسلامية:
إن الشريعة الإسلامية ليست بشريعة خاصة بقوم أو مجتمع معين بل هي شريعة عالمية جاءت لكل الأقوام والأجناس ولقد أكد القرآن الكريم على عالمية الشريعة الإسلامية في أكثر من آية وكذا على أن الرسالة المحمدية رسالة لجميع الناس وفي هذا يقول الله تعالى " قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا" ، ويقول تعالى " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا لكن اكثر الناس لا يعلمون "
وهذا خلافا لباقي الرسائل السماوية السابقة و التي جاءت لأقوام معينين .
وفي هذا يقول نبينا محمد عليه الصلاة والسلام " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" ،وقال صلى الله عليه وسلم " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"
فالإسلام لم يكن دين قوم أو جنس أو عرق معين بل هو دين لجميع الناس.
5- صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان :
ثبات الشريعة مستمد من كونها حقًّا لا يتغير، وصدقًا لا يتبدل، وختامًا لشرائع الله تعالى فلا تنسخ، قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ، فلا معقب لحكمه في الدنيا ولا في الآخرة، فالعصمة ثابتة لها في حفظها وفي بيانها، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ،وقال تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}
والحفظ دائم إلى أن تقوم الساعة، فهذه الجملة تدلك على حفظ الشريعة وعصمتها عن التغيير والتبديل
وإذا كان التكليف إلى يوم القيامة فإنه لا يتحقق إلا بثباتها ودوامها وسلامتها من التغيير والتبديل.
فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخًا، ولا تخصيصًا لعمومها، ولا تقييدًا لإطلاقها، ولا رفعًا لحكم من أحكامها، لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان، ولا حال دون حال، بل ما أثبت سببًا فهو سبب أبدًا لا يرتفع، وما كان شرطًا فهو أبدًا شرط، وما كان واجبًا فهو واجب أبدًا، أو مندوبًا فمندوب.
ومن أسباب ثباتها ابتناؤها على جلب الصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، فهي شريعة الرحمة بالعباد والتيسير عليهم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} ، وفي تشريع الرخص عند وجود المشقات برهان ناطق على بيان رعاية مصالح العباد كل العباد، حتى إن أشد الحدود وهو القصاص معلل تشريعه بالمصلحة الراجعة لأولي الألباب.
قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
6- اتصاف الشريعة الإسلامية بالكمال والشمول :
تتصف الشريعة الإسلامية بالكمال والشمول هذا نظرا لكونها صادرة عن الله سبحانه وتعالى الذي يتصف بالكمال وبالتالي فإنه من الطبيعي أن تكون شريعته هي بدورها تتصف بهذه الميزة فالشريعة الإسلامية تحيط بكل أحوال الدين والدنيا يقول الله عز وجل في الآية 52 من سورة طه" لا يضل ربي ولا ينسى"
فالله عز وجل هو العليم الخبير الذي يعلم بأحوال العباد بحيث يقول جل وعلا "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" فشريعتنا الغراء تحيط بحياة الإنسان من جميع نواحيها فهي تسع حياة المجتمعات الإنسانية فكل ما يحتاج إليه الإنسان في حياته قد تكفلت به شريعة الرحمن، فهي أعم من أن تكون أصولًا اعتقادية أو أحكامًا فقهية فروعية أو آدابًا أخلاقية واجتماعية، أو تنظيمات سياسية دولية أو داخلية.
ومن شمولها: أنه لا تخلو حادثة عن حكم للشريعة وتوجيه في جميع الأقطار وعلى مر العصور، وإذا كانت نصوصها متناهية فإن معانيها وما يستنبط منها ليس بمتناهٍ مطلقًا.
قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}
فقد شملت بيان ما يتعلق بمعاملة العبد لربه، ومعاملة العبد لنفسه، ومعاملة العبد لغيره، فعلوم التوحيد والعقيدة والأخلاق والسلوك والعبادات والمعاملات والأحوال الشخصية وتنظيم العلاقات الدولية كل ذلك قد تناولته هذه الشريعة المعصومة على نحو لا نظير له في شريعة سبقتها، أو قانون وضعي جاء قبلها أو بعدها.