درس
المحاضرة الأولى
متطلبات الإكمال
المحاضرة الأولى
انحلال الرابطة الزوجية بالطلاق
تناولت المادة 47 من قانون الأسرة الجزائري طرق انحلال الرابطة الزوجية، حيث جاء فيها:"تنحل الرابطة الزوجية بالطلاق أو الوفاة"([1]). ومن هنا يتضح بأن المشرع قد حصر أنواع الفرقة بين الزوجين في الطلاق أو الوفاة كأسباب عامة، غير أن هذه المادة قد أغفلت النص على كون الفسخ صورة من صور انحلال الزواج لاختلافه عن الطلاق([2]). أما انحلال الرابطة الزوجية بالوفاة فليس لإرادة أحد الأطراف دخل في ذلك، ويترتب عنها كافة الآثار الشرعية والقانونية وهذا بالاتفاق. ومن هنا لا بد من بيان طرق انحلال الرابطة الزوجية في الفقه الإسلامي وقانون الأسرة الجزائري بصورة موجزة، وذلك من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأول: الفُرَق وأنواعها في الفقه الإسلامي
الفرع الأول: معنى الفرقة وأنواعها
أولا: معنى الفرقة
الفرقة في باب النكاح هي:" إنهاء عقد الزواج، والتفريق بين الزوجين لانقطاع العلاقة الزوجية بينهما لأي سبب يقتضي ذلك كطلاق، أو خلع، أو لعان، أو بواسطة التفريق القضائي، ونحو ذلك من أسباب الفرقة، كموت أحد الزوجين، أوفسخ عقد الزواج لأي سبب من الأسباب الشرعية التي توجب ذلك"([3]).
ومن هنا يتبين أن الفرقة أعمّ من الطلاق؛ لأنها تشمله كما تشمل غيره من أنواع الفرق الأخرى.
ثانيا: أنواع الفُرَق
تكون الفرقة بين الزوجين بأحد أمور ثلاثة:
أولا: تكون بالطلاق من الزوج، وقد ثبت حقه فيه بنصوص خاصة قطعية الثبوت والدلالة لا تحتمل تأويلا، ولا تحتاج إلى تفسير، فهي من المحكم الذي لم يتناوله نسخ كلي أو جزئي، ويجب العمل به كما هو، ومن أنكر ذلك فقد أنكر شيئا علم من الدين بالضرورة.
ثانيا: تكون بالفسخ من القاضي، وقد ثبت حقه في التفريق بأدلة عامة ترجع إلى قاعدة منع الضرر.
ثالثا: أن يوجد عند العقد ما ينافي قيام الزوجية شرعا أو يطرأ بعده ما ينافي بقاءها، وحينئذ ينفسخ الزواج من غير طلاق من الزوج ولا فسخ من القاضي([4]).
ومنه لا بد من بيان الفرق بين الطلاق والفسخ واختلاف المذاهب في ذلك بإيجاز من خلال ما يأتي:
الفرع الثاني: أهم الفروق بين الطلاق والفسخ
لمعرفة الفرق بين الطلاق والفسخ، لابد أولا من تعريف الفسخ وبيان معناه.
أولا: معنى الفسخ
هو إزالة ما يترتب على العقد من أحكام، وقد يكون الفسخ لخلل صاحب نشوء العقد، كما لو نشأ العقد غير لازم، وقد يكون الفسخ لخلل طرأ على العقد بعد نشوئه تاما صحيحا([5]). وفسخ عقد الزواج عبارة عن نقضه ورفعه وإزالة ما يترتب عليه من الأحكام في الحال([6]). ويكون فسخ عقد الزواج إما بسبب خلل مقارن للعقد،كما لو تبين أن العقد كان فاسدا بسبب أن المرأة المعقود عليها ليست محلا للعقد بالنسبة لمن تزوجها بأن ظهر أنها أخته من الرضاع، أو كانت زوجة للغير أو معتدة وقت إنشاء العقد،كما يكون الفسخ بسبب خلل طارئ على العقد بعد تمامه، كارتداد أحد الزوجين المسلمين عن دين الإسلام([7]).
ثانيا: الفرق بين الطلاق والفسخ
تختلف حقيقة الطلاق عن حقيقة الفسخ، وفي ذلك يقول أبو زهرة:" إن حقيقة الطلاق توجب إنهاء الزواج وتقرير الحقوق السابقة، وهو لا يكون إلا في نكاح صحيح، وهو من آثاره التي قررها الشرع حتى لو عقدا عقد النكاح واشترطا فيه ألا يطلق الزوج زوجته كان الشرط لاغيا لأنه شرط فاسد إذ هو مناف لمقتضى العقد. أما الفسخ فحقيقته أنه عارض يمنع بقاء النكاح، أو يكون تداركا لأمر اقترن بإنشاء العقد فجعله غير لازم، وهذا الفسخ يكون لنقض العقد من أصله، ومثال الأول ردة أحد الزوجين، ومثال الثاني الفسخ بخيار البلوغ"([8]). ويفترق الفسخ عن الطلاق من وجوه([9]):
أ- يعتبر الطلاق إنهاء لعقد الزواج، أما الفسخ فقد يكون نقضا لعقد الزواج لخلل رافق نشوءه أو عارض طرأ على الزواج فمنع بقاءه بعد أن نشأ صحيحا، أو حادث أصاب أحد الزوجين فأعطى للآخر حق طلب الفسخ.
ب- يكون الطلاق بائنا لا رجعة فيه، ورجعيا يجوز للزوج مراجعة زوجته ما دامت في العدة، أما الفسخ فهو فرقة بائنة لا رجعة فيها.
ج- الفرقة التي تعد طلاقا تنقص من عدد الطلقات الثلاث التي يملكها الزوج، أما الفسخ فلا يعتبر من الطلقات الثلاث، أي لا ينقص العدد.
د- أن الطلاق لا يكون إلا في نكاح صحيح، أما الفسخ فقد يكون في نكاح صحيح أو غير صحيح.
ثالثا: ضابط ما يعتبر طلاقا وما يعتبر فسخا
ضابط ما يتميز به الفسخ عن الطلاق عند أبي حنيفة ومحمد أن كل فرقة من جانب الزوج، ولا يمكن أن تقوم من قبل المرأة فهي طلاق، كالفرقة بسبب الإيلاء([10])، وكل فرقة من قبل الزوجة ولا يمكن أن تكون من قبل الزوج فهي فسخ كالفرقة بسبب عدم كفاءة الزوج لزوجته([11]). إلا أن أبا حنيفة خلافا لمحمد يعتبر الفرقة بسبب ردة الزوج فسخ؛ لأنه يرى أن الردة كالموت من حيث أن صاحبها مهدر الدم، فتشبه الفرقة بالموت، والفرقة بالموت لا يمكن جعلها طلاقا([12]).
وأما ضابطه عند المالكية فيتمثل في السبب الموجب للفرقة([13])، فإن كان راجعا إلى الزوجين فهو طلاق، أما إذا لم يكن راجعا لأحد الزوجين، بحيث لو أرادا الاستمرار على حياتهما الزوجية المشتركة لما جاز لهما ذلك كان هذا فسخا([14]). وأما الشافعية والحنابلة فقد ذهبوا إلى أن الفرقة التي تقع بين الزوجين تعتبر طلاقا إذا أوقعها الزوج أو نائبه وما عدا ذلك من الفُرَق فهي فسخ([15]).
رابعا: الآثار المترتبة على هذه الفروق
تختلف الآثار المترتبة على هذه الفروق باختلاف أسبابها؛ لأن فرق النكاح ليست ذات طبيعة واحدة.
- فبعضها يوجب حرمة مؤبدة، لا تحل المرأة للرجل بعدها أبدا، كالفرقة الحادثة بسبب اتصال أحد الزوجين بأصول الآخر أو فروعه.
- وبعضها يوجب حرمة مؤقتة، تزول بزوال سببها وتعود المرأة حلالا للزوج متى عقد عليها بعد ذلك، كالفرقة بسبب خيار البلوغ، أو الردة، أو الإباء عن الإسلام، فإنه متى زال السبب حلت المرأة للرجل.
- وبعضها محل خلاف بين الفقهاء في كونه يوجب حرمة مؤبدة، أو مؤقتة، مثل اللعان عند أبي حنيفة ومحمد ومن وافقهما، حيث يرون أن الفرقة به لا تكون مؤبدة وأن للزوجين أن يستأنفا الحياة الزوجية بينهما إذا كذّب الرجل نفسه فيما قذف به امرأته، أو فقد أحدهما أهلية اللعان([16]).
بينما يرى جمهور الفقهاء من أصحاب المذاهب المختلفة، وبعض فقهاء الحنفية([17]) أن الفرقة بسببه تكون مؤبدة، لا يحل للمتلاعنين بعدها أن يعودا أبدا([18]).كما أن منها ما هو فسخ بالاتفاق، كالردة، ومنها ما هو طلاق بالاتفاق كالفرقة الواقعة بصريح اللفظ أو كناياته، ومنها ما هو محل خلاف بين الفقهاء في كونه فسخا أو طلاقا.
موقف المشرع الجزائري
كما سبقت الإشارة إليه فإن المشرع لم يجعل الفسخ صورة من صور انحلال الرابطة الزوجية، ذلك لأن إنهاء الحياة الزوجية كما يكون بالطلاق يكون بالفسخ، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء، إنما الخلاف بينهم فيما يتناوله كل من الفسخ أو الطلاق من فرق الزواج، فما يعدّ فسخا في بعض المذاهب قد يعدّ طلاقا في مذاهب أخرى([19]) -كما سبق بيان ذلك-.
وأما انحلال رابطة الزوجية بالطلاق فقد تناولته المادة 48 والتي نصت على ما يلي:"مع مراعاة أحكام المادة 49 أدناه يحل عقد الزواج بالطلاق الذي يتم بإرادة الزوج أو بتراضي الزوجين أو بطلب من الزوجة في حدود ما ورد في المادتين 53 و 54 من هذا القانون"([20]).
ومن هذا النص يتضح أن المشرع قد حصر طرق الفرقة بين الزوجين في الطلاق بإرادة الزوج وبالإرادة المشتركة بين الزوجين، و بطلب من الزوجة عن طريق التفريق القضائي طبقا للمادة 53 ، أو عن طريق الخلع طبقا للمادة 54. كما أن المادة 55 أضافت حالة الطلاق بسبب نشوز أحد الزوجين كأسباب قانونية. وفيما يلي نتناول الصورة الأولى من صور فك الرابطة من خلال ما يأتي:
المطلب الثاني: الطلاق بإرادة الزوج في الفقه الإسلامي وقانون الأسرة الجزائري
جاء في المادة 48 من قانون الأسرة:"يحل عقد الزواج بالطلاق الذي يتم بإرادة الزوج". حيث اعتبرت هذه المادة الطلاق بالإرادة المنفردة للزوج صورة من صور فك الرابطة الزوجية، إلا أنه يلاحظ من خلال هذا النص أن المشرع قد عزف عن تبني تعريف قانوني للطلاق، واكتفى ببيان إحدى حالات انحلال الرابطة الزوجية بالطلاق، ولم يتطرق حقيقة إلى تعريفه وبيان أركانه وشروطه وضوابطه، وفي ذلك محاولة منه التملص من أي التزام يقع عليه لتبنيه إحدى التعاريف الفقهية، وترك ذلك لما هو مقرر في الفقه الإسلامي على غرار مسائل فقهية أخرى([21]) ضمنها في المادة 222 من قانون الأسرة عندما نص على أنه:"كل ما لم يرد النص عليه في هذا القانون يرجع فيه إلى أحكام الشريعة الإسلامية"([22]).
وقد تناول المشرع أحكام هذه الصورة ( الطلاق بالإرادة المنفردة للزوج ) من خلال المواد (49-50-51-52). حيث نصت الفقرة الأولى من المادة 49 على ما يلي:"لا يثبت الطلاق إلا بحكم بعد محاولات صلح يجريها القاضي دون أن تتجاوز مدته ثلاثة أشهر ابتداء من تاريخ رفع الدعوى"([23]).
ونصت المادة 50 على أنه:"من راجع زوجته أثناء محاولة الصلح لا يحتاج إلى عقد جديد، ومن راجعها بعد صدور الحكم بالطلاق يحتاج إلى عقد جديد"([24]).
وما يمكن ملاحظته بشأن الفقرة الأولى من المادة 49 أن الطلاق لا يثبت إلا بموجب حكم قضائي وأن أي طلاق عرفي يقع شفهيا ضمن قواعد الفقه الإسلامي لا يعتد به قانونا، ولا يحتج به تجاه الغير([25])، كما يفهم أيضا من هذا النص أنه إذا حصل الطلاق بحكم قضائي ثم راجع الزوج زوجته دون توثيق عقد الزواج من جديد، فإن هذا الزواج لا يحتج به قانونا تجاه الغير من حيث ترتب الآثار القانونية عليه، وهذا مخالف لما هو مقرر في الفقه الإسلامي من حيث ترتب الآثار الشرعية على الطلاق أو الرجعة- وسيأتي بيان ذلك في موضعه-.
أما ما يمكن إبداؤه كإشكاليات فقهية بشأن المادتين فهو:
أولا: لم تنص المادتين صراحة على نوعي الطلاق الرجعي و البائن بينونة صغرى. لذلك ينبغي إعادة صياغة مواد الطلاق بالشكل الذي يستجيب لأحكام كل من الطلاق الرجعي والبائن.
ثانيا: يمكن للزوج أن يتلفظ بالطلاق، وتطول إجراءات الحكم به طبقا للمادة 49، وقد تنعقد جلسة الصلح بعد نهاية العدة الشرعية، التي يبدأ حسابها من وقت تلفظ الزوج بالطلاق، فإذا نجحت هذه الجلسة وراجع المطلق مطلقته بلا عقد جديد طبقا للمادة 50، فقد حصل تعارض بين القانون وأحكام الشريعة الإسلامية، إذ أن الطلاق صار بائنا بينونة صغرى من الناحية الشرعية، يحتاج المطلق لإرجاع زوجته إلى عقد جديد، بينما لا يحتاج إليه بمقتضى المادة 50.
ثالثا: قد يؤدي تطبيق المادتين إلى بروز ظاهرة ازدواجية العدة: عدة شرعية تبدأ من تاريخ تلفظ الزوج بالطلاق، وعدة قانونية تبدأ من تاريخ صدور الحكم بالطلاق، وهذا يؤدي إلى تعارض بين القانون والشريعة على عدة مستويات، خاصة بعد فوات العدة الشرعية واستمرار العدة القانونية.
أما ما يتعلق بحكم الرجعة في الطلاق الثلاث فقد نصت المادة 51 على أنه:"لا يمكن أن يراجع الرجل من طلقها ثلاث مرات متتالية إلا بعد أن تتزوج غيره، وتطلق منه أو يموت عنها بعد البناء"([26]).
حيث يفهم من نص هذه المادة عدم وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا، وهذا مخالف لمذهب الجمهور القائلين بوقوع الطلاق بلفظ الثلاث ثلاثا، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه.
وأما فيما يخص استعمال الرجل لحقه الأصيل في إيقاع الطلاق بحكم أنه مخول في الشريعة الإسلامية للزوج، ولا يترتب على استعماله من الأحكام سوى استحقاق الزوجة المطلقة لمؤخر صداقها، ونفقة عدتها، التي يراعى في تقديرها حالة المطلق المالية([27])، فقد نصت المادة 52 على أنه:"إذا تبين للقاضي تعسف الزوج في الطلاق حكم للمطلقة بالتعويض عن الضرر اللاحق بها"([28]). حيث يفهم من نص هذه المادة أن المشرع قد جعل الأصل في الطلاق الحظر إلا إذا دعت الحاجة إليه، فيعدّ متعسفا-إلا إذا أثبت العكس- من طلق زوجته دونما سبب معقول. ومنه يجوز للقاضي أن يحكم للزوجة بالتعويض على مطلّقها بحسب حالة ودرجة تعسفه، إلا أن المشرع لم يبين حدود مجاوزة استعمال الحق في الطلاق بالنسبة للزوج،كما أنه لم يبين الطرف الذي يقع على عاتقه إثبات التعسف من عدمه، ولم يضع حدًّا للتعويض المالي الذي ينشأ في ذمة الزوج المتعسف، بل تركه لسلطة القاضي التقديرية، وفقا لطبيعة الطلاق التعسفي، ولحالة الزوج المالية. كما أنه لم يوضح مقصوده من التعويض هل هو حق الزوجة في متعة الطلاق المقررة في الشريعة الإسلامية، أم أنه التعويض بسبب التعسف في استعمال الحق([29])؟.
ومن ثم يمكن القول بأن هذه المواد 49-50-51-52 والمتعلقة بالطلاق تطرح عدة إشكالات فقهية وقانونية وقضائية -بخصوص وقوع الطلاق وأحكام الرجعة ومعيار تقدير التعسف في إيقاع الطلاق- يجيب عليها الفقه الإسلامي وفق ما يأتي:
أولا: الجانب الفقهي
مما لا شك فيه أن فقهاء الشريعة الإسلامية من القدامى والمعاصرين قد تناولوا موضوع الطلاق وبينوا جميع أحكامه وآثاره، وفصلوها على قدر كبير من البيان والوضوح، بما لا يدع مجالا للبحث والاستقصاء - وهي مثبتة في كتبهم- إلا ما جدّ أو يجدّ من قضايا ووقائع تتطلب حلولا جديدة ملائمة لروح الشريعة ومقاصدها، فإنها تكون محل بحث واجتهاد. ومنه فإن المسائل التي تكون محل البحث والدراسة - في موضوع الطلاق- هي القضايا التي لها علاقة بما هو منصوص عليه في قانون الأسرة من مواد قد تكون محل مناقشة وتقويم بحسب موافقتها أو مخالفتها لأحكام الشريعة الإسلامية، والتعرض لبعض ما يخص الطلاق من أحكام إنما يكون بقدر الحاجة وبحسب ما يخدم الموضوع.
وقبل الخوض في تحليل هذه الإشكاليات ومناقشتها والإجابة عليها وفق ما قررته أحكام الشريعة الإسلامية، لابد أولا من التطرق إلى تعريف الطلاق شرعا وبيان حكمته وحكمه.
الفرع الأول: تعريف الطلاق لغة واصطلاحا
أولا : في اللغة، الطلاق لغة يرجع لعدة معاني([30]):
- الترك : ومنه طَلَّق البلاد تركها وطَلّقْت القوم تركتهم.
- الفراق : ومنه طَلَّقت البلاد فارقتها.
- التخلية : ومنه أَطْلَقْت الأَسير أَي خلّيته .
- الإرسال : ومنه ناقة طالق بلا خطام، وهي التي ترسل في الحي فترعى من جَنابِهم حيث شاءت لا تُعْقَل إذا راحت ولا تُنحّى في المسرح.
- من لا قيد عليه : ومنه وحبسوه في السجن طَلْقا؛ أي بغير قيد، والطالق من الإبل .. التي لا قيد عليها؛ بمعنى حل القيد والإطلاق، ومنه ناقة طالق؛ أي مرسلة بلا قيد، وأسير مطلق؛ أي حل قيده وخلي عنه.
وطلاق النساء يأتي لمعنيين([31]) : أحدهما :حل عقدة النكاح. والآخر: بمعنى التخلية والإرسال .
لكن العرف خص الطلاق بحل القيد المعنوي وهو في المرأة، فيقال: طلق الرجل زوجته، فهي طالق، وطَلَقت المرأة من زوجها طلاقاً؛ أي تحلّلت من قيد الزواج وخرجت من عصمته([32]).
ثانيا: في الاصطلاح، عرف فقهاء المذاهب الطلاق بتعاريف عديدة متقاربة:
حيث عرّفه الحنفية بأنه:" هو رفع القيد الثابت شرعا بالنكاح"([33]). فيحترز بلفظ "شرعا" عن رفع القيد الثابت حسّا، وهو حلّ الوثاق. ويحترز بالنكاح عن العتق لأنه رفع قيد ثابت شرعا، لكنه لا يثبت ذلك القيد بالنكاح. أو هو"رفع قيد النكاح في الحال بالبائن، أو في المآل بالرجعي بلفظ مخصوص وهو ما اشتمل على الطلاق"([34]).
وعرّفه المالكية بأن:"صفة حكمية ترفع حلّية متعة الزوج بزوجته"([35])، أو هو"إزالة القيد وإرسال العصمة لأن الزوجة تزول عن الزوج"([36]).
كما عرّفه الشافعية بأنه :"حلّ عقد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه"([37]).
وعرّفه الحنابلة بأنه:"حلّ قيد النكاح أو بعضه". وبعض قيد النكاح إذا طلقها طلقة رجعية([38]).
وعرفه من المعاصرين عبد الرحمن الصابوني بأنه:" الصيغة الدالة على إنهاء الحياة الزوجية في الحال أو المآل الصادرة من أهله في محله، قاصدا لمعناه أمام الشهود"([39]). وقد راعى في هذا التعريف تضييق نطاق الطلاق كما شرع في الكتاب والسنة.
والمختار في تعريفه أن يقال([40]):" إنهاء عقد الزواج الصحيح في الحال أو في المآل بالصيغة الدالة عليه"([41]).
الفرع الثاني: مشروعية الطلاق وحكمته وحكمه
وبيان ذلك بإيجاز فيما يأتي:
أولا: مشروعية الطلاق
الطلاق مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقد وردت آيات كثيرة تدل على جواز الطلاق وحله منها قوله تعالى:]الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ[([42]) وقوله تعالى:]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ[([43]).
وأما السنة: ففيها أخبار كثيرة بوقوع الطلاق تدل على مشروعيته، منها:" أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- طلّق امرأته وهي حائض فسأل عمر رضي الله عنه رسول الله r عن ذلك فقال:"مُرْهُ فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"([44]).
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز الطلاق. ونقل البهوتي الإجماع على جوازه([45]).
ثانيا: حكمة مشروعية الطلاق
نظام الطلاق في الشريعة الإسلامية من محاسنها ومن دلائل واقعيتها وعدم إغفالها مصالح الناس في مختلف ظروفهم وأحوالهم، إذ طبيعة النفوس وما يعتريها من تغيّرات منها ما يؤدّي إلى التنافر والخلاف، وقد يستعصى حل الخلاف وإزالة النُّفرة فيما بين الزوجين فتكون المصلحة في هذه الحالة هو وقوع الطلاق والفرقة، حيث لا يبقى مصلحة في النكاح ومقاصده فتغلب مصلحة الطلاق؛ لأن في بقاء الرابطة الزوجية بعد فساد الحال بين الزوجين مفسدة ومضرة وسوء معاشرة من غير فائدة. وقد يكون العقم وعدم النسل بسبب من الزوج، والمرأة تتطلع إلى الذرية والنسل فتطلب الطلاق بالخلع أو بدون عوض لتحقق أمنيتها مع زوج آخر([46]).
قال الكاساني:"شرع الطلاق في الأصل لمكان المصلحة لأن الزوجين قد تختلف أخلاقهما وعند اختلاف الأخلاق لا يبقى للنكاح مصلحة، لأنه لا يبقى وسيلة إلى المقاصد-أي مقاصد النكاح- فتغلب المصلحة إلى الطلاق ليصل كل واحد منهما إلى زوج يوافقه فيستوفي مصالح النكاح منه"([47])، وقال ابن قدامة:"ربما فسدت الحال بين الزوجين فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة وضررا محضا بإلزام الزوج النفقة والسكنى وحبس المرأة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة، فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه"([48]).
ثالثا: حكم الطلاق
الطلاق تصرف شرعي يقوم به الزوج، وتعتريه الأحكام الشرعية من الوجوب والحرمة والإباحة والكراهة، فهو يباح عند الحاجة لسوء خلق الزوجة ولسوء عشرتها، ويكره في غير حاجة، ويحرم في الحيض والنفاس، ويجب كطلاق المُولي بعد التربص أربعة أشهر من حلفه إذا لم يفيء، وطلاق الحكمين في الشقاق إذا رأياه، ويستحب عند التفريط في حقوق الله تعالى كترك الصلاة، أو في التفريط في حقوق الزوج أو للبغض الشديد للزوجة([49]).
وهنا تعرض مسألة بيان الأصل في حكم الطلاق بين الحظر و الإباحة، وقد اختلف الفقهاء في الحكم الأصلي للطلاق فقال بعضهم بالإباحة، وقال البعض بالحظر، والخلاف هنا متعلق بحكم أصل الطلاق قبل أن تعتريه الأحكام الخمسة؛ لأنّ الطلاق من حيث هو طلاق جائز، وذلك على قولين في الجملة:
القول الأول: الأصل في الطلاق الإباحة: قال الإمام القرطبي في تفسيره:"دلّ الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الطلاق مباح غير محظور. وقال ابن المنذر: ليس في منع الطلاق خبر يثبت". وقال السرخسي:"وإيقاع الطلاق مباح وإن كان مبغضا في الأصل عند عامة العلماء"([50]). وقال ابن عابدين:"إيقاع الطلاق مباح عند العامة لإطلاق الآيات وهو المذهب"([51])؛ أي عند الحنفية وغيرهم، ولكن هناك من الحنفية من ذهب إلى أن الأصل في الطلاق الحظر([52]).
والحجة لهذا الرأي قوله تعالى:]لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ[([53])، وقوله تعالى:]فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ[([54])، وذلك يقتضي إباحة إيقاع الطلاق، وأن الأصل فيه الإباحة لا الحظر. وقد طلّق النبي r حفصة رضي الله عنها حتى نزل عليه الوحي بمراجعتها لأنها صوّامة قوّامة.كما طلّق غير واحد من الصحابة-رضي الله عنهم-([55]).
القول الثاني: أن الأصل في الطلاق الحظر، وبهذا قال أكثر الفقهاء. والحجّة لذلك: أنّ الزواج عقد مسنون، بل هو واجب أحيانا، فكان الطلاق قطعا للسنة، وتفويتا للواجب، فيكون الأصل فيه الحظر والكراهة إلا أنه رخّص للتأديب أو التخليص كما قال الكاساني([56]). جاء في روضة الطالبين:"وأما المكروه فهو الطلاق عند سلامة الحال"([57])، وجاء في مغني المحتاج:"ومكروه كمستقيمة الحال"([58]). فيفهم من هذا القول أن الأصل في الطلاق عند الشافعية هو الحظر، وإلا لما كان مكروها بالنسبة للزوجة المستقيمة، وعند سلامة الحال. وجاء في كشاف القناع:"ويباح الطلاق عند الحاجة إليه.. ويكره الطلاق من غير الحاجة إليه"([59]).
وقال ابن عابدين:"وأما الطلاق فإن الأصل فيه الحظر، بمعنى أنه محظور إلا لعارض يبيحه، وهو معنى قولهم: الأصل فيه الحظر والإباحة للحاجة إلى الخلاص، بل يكون حمقا وسفاهة رأي ومجرد كفران النعمة، وإخلاص الإيذاء بها وبأهلها ولأولادها، ولهذا قالوا: إن سببه الحاجة إلى الخلاص عند تباين الأخلاق وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى، فليست الحاجة مختصة بالكبر والريبة، فحيث تجرد عن الحاجة المبيحة له شرعا يبقى على أصله من الحظر، ولهذا قال تعالى:] فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا[([60]) أي لا تطلبوا الفراق"([61]). ومعنى ذلك أنّ الزوجة إذا تركت النشوز وأطاعت زوجها فإن طلاقها بعد ذلك يكون اعتداء عليها وظلما لها، وإيذاء لأهلها وأولادها، وهذا لا يجوز لعدم وجود سبب([62]).
وقال ابن تيمية([63]):"لولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق لكان الدليل يقتضي تحريمه، ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعباده لحاجتهم إليه أحيانا، وإن الله يبغض الطلاق وإنما يأمر به الشياطين والسحرة كما قال الله تعالى: ) فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ(([64])، وفي الصحيح عن النبي r قال:"إن الشيطان ينصب عرشه على الماء ويبعث جنوده، فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة، فيأتي أحدهم فيقول: مازلتُ به حتى شَرب الخمر، فيقول: الساعة يتوب، ويأتي الآخر فيقول: مازلت به حتى فرّقت بينه وبين امرأته فيقبِّله بين عينيه ويقول: أنتَ أنتَ"([65])، ولقوله r:" أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة"([66]).
وهناك اتجاه ثالث يرى بأن الحظر في الطلاق دياني لا قضائي؛ بمعنى أن الزوج الموقع للطلاق بغير مبرر شرعي يكون آثما، وعلى هذا فإن الموضوع يتعلق بأمر نفساني قد لا يستحسن معرفته، فالأمر موكول إلى ضمير الزوج. أما قضاء فالطلاق واقع، ولا يجوز للقاضي التدخل لمعرفة السبب حرصا على سمعة الأسرة([67]).
وعلى هذا فالراجح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الرأي الثاني من أنّ الأصل في الطلاق الحظر لعموم الأدلة التي تنفر من الفرقة وترغب في استقرار الحياة الزوجية واستمرارها بشكل يتلاءم و مقصد الديمومة في الزواج.
وقد أخذ المشرع الجزائري بهذا الرأي من خلال المادة 52 من قانون الأسرة الجزائري، والتي جاء فيها:"إذا تبين للقاضي تعسف الزوج في الطلاق حكم للمطلقة بالتعويض عن الضرر اللاحق بها"([68]).
الفرع الثالث: جعل الطلاق بيد الرجل والحكمة من ذلك
أولا: تقرير حق الطلاق للرجل والحكمة منه
إن صاحب الحق الأصيل في الطلاق هو الرجل والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى:] لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً[([69])، فالخطاب في هذه الآية موجه إلى الأزواج.
كما دلّ حديث ابن عمر-رضي الله عنهما- على ذلك وفيه:"مُره فليراجعها"([70]).
فليس لغير الزوج من ولي أو وصي أن يوقع الطلاق حتى وإن كان هو الذي تولى عقد النكاح([71]). فإن قيل: فلِمَ اشترك الزوجان في النكاح وتفرد الزوج بالطلاق؟ قيل لأمرين([72]):
أحدهما: أنه لما اشترك الزوجان في الاستمتاع جاز أن يشتركا في عقد النكاح، ولما اختص الزوج بالتزام المؤنة جاز أن يختص الزوج بإيقاع الفرقة.
والثاني: أنّ المرأة لم يجعل الطلاق إليها؛ لأنّ شهوتها تغلبها فلم تؤمن منها معاجلة الطلاق عند التنافر، والرجل أغلب لشهوته منها، وأنه يؤمن منه معاجلة الطلاق عند التنافر.
فمن الأمور المقررة شرعا أن الله تعالى راعى في تشريع الأحكام لعباده ما هو غالب من أمورهم وأحوالهم، وما يناسب طبائعهم، وجعل المناط في أحكامه المظان الكلية دون الفردية، وراعى ما هو الشأن في المكلفين من الرجال؛ لأن الوقائع الفردية لا تنتهي عند حدّ، فلهذا جعل الطلاق بيد الرجل له حق إيقاعه مستقلا دون أن يتوقف على رضا الزوجة([73])، ودون أن يكون أمام القاضي. ذلك أن فصم رابطة الزوجية أمر له خطره تترتب عليه آثار لها أهميتها في حياة الجماعات والأسر، فلا بد أن يوضع بيد من يقدّر هذه العواقب ويفكر في الأمور ويزنها بميزان العقل، دون تأثر برغبة عارضة أو غضبة ثائرة([74]). ولأن الله تعالى جعل للرجل القيام على المرأة بسبب قوامته وبما كلف به من دفع المهر لها والإنفاق عليها([75])، وذلك لقوله تعالى:]الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ[([76])، ومن لوازم هذا أن تكون العصمة بيده، إن شاء أمسك وإن شاء طلق([77]). ولقوله تعالى:]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ[([78])، وقوله تعالى:] وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ[([79])، حيث جعل الله الطلاق لمن ينكح، إن شاء أمسك وإن شاء طلق؛ ولأن الرجل أعقل من المرأة وأضبط لعواطفه وأدرى بالتبعات التى تترتب على الطلاق بخلاف المرأة([80]).
كما أن قوله r: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق"([81])، يفيد جعل الطلاق بيد الرجل([82]).
فمن تتبع النصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنة يجدها تدل دلالة صريحة على أن الطلاق حق للزوج وليس حقا للزوجة بالرغم من أنها شريكة في العقد حفاظا على الزواج، وتقديرا لمخاطر إنهائه بنحو سريع بحل الرابطة الزوجية التي عقدت في الأصل لتكون طوال العمر، فلا يجوز التعجل في إنهائها.
والملاحظ الذي يؤيده الواقع أن الرجل أكثر احتمالا وصبرا على ضبط عواطفه وانفعالاته عند الغضب ودواعيه من المرأة، ولا يقدح في هذا أن بعض النساء قد يكنَّ أقدر وأكمل، ولكن هذا على النادر والأحكام تُبنى على الغالب. ولأن الزواج والطلاق يحمّل الزوج تبعات مالية -بأصل قوامته-مما يحْمله على التأنِّي وعدم العجلة في تطليق زوجته([83]).
على أن الشريعة الإسلامية لم تهمل جانب المرأة وحقها في موضوع الطلاق، فمنحتها الحق في طلب التطليق وأوجبت على القاضي أن يجيبها إلى طلبها ويفرق بينها وبين زوجها، إذا كان هناك من الأسباب ما تقره العدالة وتؤيده الشريعة، كما إذا تضررت من الزوج، وثبت أنه يؤذيها بما لا يليق بأمثالها([84]). وجعل لها أن تفتدي نفسها بمال تدفعه للزوج وهو ما يسمى بالخلع، وأجاز الشارع للزوج أن يفوض زوجته في إيقاع الطلاق؛ لأن القاعدة الشرعية تنص على أنه "من ملك تصرفا يملك الإنابة فيه إن كان قابلا للإنابة"([85]).
وبهذا يكون الشرع قد وازن بين المصلحتين من جانب الزوج في أن يكون صاحب الحق في الطلاق، وراعى أيضا جانب المرأة أمام ظلم الزوج لها فأعطاها الحق في طلب التطليق إذا توافرت أسبابه الشرعية فيستجيب لها القاضي.
ولا يصح أن يقال بأن الطلاق لا يقع إلا باتفاق الزوجين؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لتعنت أحدهما ليوقع الآخر في ضرر لا يمكنه التخلص منه([86]).كما لا ينبغي القول بأن الطلاق يتوقف على حكم القاضي لأن الطلاق حق للزوج بمقتضى النصوص الشرعية، وتقييد وقوعه بأن يكون صادرا من القاضي أو بإذنه يفتقر إلى الدليل. وفيما يلي بيان ذلك:
ثانيا: تقييد الطلاق بالقضاء
من المعروف أن الشريعة الإسلامية أعطت الزوج الحق في طلاق زوجته بإرادته المنفردة، وقد انتقد البعض هذا الاتجاه ونادى بأن يكون الطلاق بحكم القاضي بعد إثبات مبرر له، كما هو الحال في معظم القوانين الوضعية، حتى يتاح فرصة للتفكير في الطلاق وللصلح بين الزوجين قبل الطلاق، وحتى يمنع الزوج من ظلم زوجته عند طلاقه إياها دون مبرر.
ومسلك الشريعة في جعل الطلاق بيد الرجل لا بيد القاضي- في الأصل- أولى بالعمل به لصالح المرأة ولصالح الرجل والأسرة. ذلك أن مفتاح بقاء الحياة الزوجية يجب أن يكون بيد الرجل في الأصل باعتبار أنه هو الذي أنشأ الأسرة وهو القيّم الأول عنها والمكلف بالإنفاق عليها، فإذا طلّق فلا يستساغ أن تفرض عليه زوجة لا يقبل التعاون معها، وبالتالي لا يتحقق في الأسرة السكن والمودة والرحمة إذا أجبر القاضي الزوج الكاره على أن يستمر في الحياة الزوجية، ولهذا عدلت الشريعة بينهما([87]).
وتكليف الزوج بأن يلجأ للقاضي للحكم له بالطلاق إذا كان هناك مبرر له، أمر ليس في صالح المرأة؛ لما فيه من كشف لعيوب الزوجة بإثبات سوء سلوكها، ولهذا وغيره لم تجعل الشريعة الإسلامية الطلاق بيد القاضي، وإنما جعلته بيد الرجل في الأصل، وألزمته بكافة أعباء الطلاق سواء كان مخطئا في طلاقه، أم كان خطأ زوجته هو الذي أدى إلى الطلاق، وذلك رحمة بالنساء وسترا لعيوبهن، وقد كان العدل أن يباح للرجل أن يلجأ إلى القاضي طالبا إعفاءه من أعباء الطلاق إذا أثبت أن خطأ زوجته هو السبب في الطلاق، كما لو أثبت سوء سلوكها، ولكن الشريعة الإسلامية قدمت الرحمة بالنساء على العدل مع الرجال، والستر في مجال الأسرة والعائلات على الفضيحة أمام القضاء([88]).
وإذا أقدمت الزوجة الكارهة على الطلاق كان عليها أن تأخذ تفويضا من زوجها أو تتفق معه فيه على ذلك، فإذا لم يتم لها ذلك كان لها أن تلجأ إلى القاضي لينوب شرعا عن زوجها في تطليقها، وهنا نلاحظ أن للزوج طلاق زوجته دون أن يسأل عن مبرر للطلاق، بينما لا حق للزوجة أن تطلب الطلاق إلا بمبرر يخضع لتقدير القاضي، وهذه التفرقة بين الرجل والمرأة ليس فيها تفضيل الرجل على المرأة، بل على العكس فيها تفضيل المرأة على الرجل، ذلك أن عدم مساءلة الرجل عن مبرر الطلاق يعني ستر عيوب الزوجة، بينما سؤال المرأة عن مبرر الطلاق يكشف عيوب الزوج. والشرع لا يبغي كشف عيوب الرجل، إذ حسب الرجل إذا أراد أن يستر عيبه أن يطلق زوجته بإرادته المنفردة إذا طلبت الزوجة الطلاق، وعندئذ لن تلجأ الزوجة إلى القضاء لطلب الطلاق، أو لن يتصدى القضاء للبحث عن مبرر الطلاق إذا كانت الزوجة قد لجأت إليه قبل طلاقها.([89]) من أجل هذا ترفض الشريعة فكرة الطلاق بيد القاضي([90]). فالطلاق حق فردي لا يتوقف على التراضي ولا على القضاء([91]).
وخلاصة القول: أنه لا جدال في أن الإسلام جعل الطلاق بأصل الشرع إلى الرجل يوقعه حين يوقعه دون حاجة إلى قضاء، ولذا لم يسند الطلاق في القرآن إلا إلى الرجال، إلا أن هذه السلطة ليست مطلقة من كل قيد وشرط حتى تعتبر في يد الرجل سلاح استبداد قد يستعمله في غير موضعه، بل لذلك حالات وأوقات تجردها سلطة الرجل من التعسف وتحميها من العبث فلا يستعمل الطلاق إلا في موضعه.
ثانيا: الجانب القانوني
نص المشرع الجزائري في المادة 48 على صور حلّ عقد الزواج، ومنها الطلاق الذي يتم بإرادة الزوج المنفردة، حيث يختص الزوج بإيقاع الطلاق ولا يحق للقاضي أن يطلق امرأة وهي في عصمة رجل إلا إذا طلب الزوج ذلك صراحة؛ إلا أنه ليس للزوج مطلق الحرية في استعمال هذا الحق، بل يخضع هذا لإشراف القضاء وتحت مراقبة القاضي؛ مما يخوّل لهذا الأخير سلطة التأكد من توافر الشروط الواجب توافرها في المطلق وصحة القصد في الطلاق بكل وعي وإدراك وإرادة واختيار بعيدا عن التعسف أو سوء استعمال حق الطلاق، وذلك استنادا إلى أسباب شرعية وقانونية.
ومنه فإن إيقاع الطلاق خارج الدوائر القضائية لا يكون معتدا به ولا يحتج به في مواجهة الغير، ولا يرتب آثارا قانونية، وذلك من خلال نص المادة 49 من قانون الأسرة في فقرتها على أنه :"لا يثبت الطلاق إلا بحكم"([92]).
ويظهر أثر هذا النص من جهة إثبات الضرر واستحقاق التعويض للمطلقة فحسب، أما وقوع الطلاق فتترتب عليه آثاره الشرعية من وقت التلفظ به من قبل الزوج، فلا يقبل أي تعديل أو مراجعة عند وقوعه اعتمادا على ما هو مقرر في الشريعة الإسلامية.
وهذا ما أقره المشرع الجزائري بعد صدور الحكم بالطلاق، إلا أنه فسح المجال أمام الطرف المتضرر من الحكم بالطعن في جوانبه المادية، وهذا ما نصت عليه المادة 57 من قانون الأسرة([93]):" تكون الأحكام الصادرة في دعاوى الطلاق والتطليق والخلع غير قابلة للاستئناف فيما عدا جوانبها المادية"([94]). وهو ما أكده القرار الصادر عن المحكمة العليا بتاريخ 20/03/1991:"من المقرر قانونا أن الأحكام بالطلاق غير قابلة للاستئناف، ما عدا جوانبها المادية، ومن ثم فإن القضاء بما يخالف هذا المبدأ يعد مخالفا للقانون.
ولما كان من الثابت – في قضية الحال – أن قضاة المجلس عدّلوا الحكم المستأنف لديهم القاضي بالطلاق للخلع إلى الطلاق بتظليم الزوج يكونوا قد تطرقوا إلى موضوع الطلاق الذي لا يجوز لهم مناقشته إلا في جوانبه المادية مخالفين بذلك القانون. ومتى كان كذلك استوجب نقض القرار المطعون فيه"([95]).
كما أن المشرع الجزائري لم يورد أي نص يتعلق بشروط المطلق مما يوجب الرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية طبقا لما نصت عليه المادة 222 من قانون الأسرة، إلا أنه وبالرجوع إلى نص الفقرة الأخيرة من المادة السابعة فإن المشرع الجزائري قد منح الزوجين اللذين لم يبلغا سنّ الرشد المدني (القاصرين) صلاحية وأهلية التقاضي فيما يتعلق بآثار عقد الزواج من نفقة وإثبات النسب والحضانة وطلب الطلاق والخلع وغير ذلك([96]).
الفرع الرابع: شروط المطلق
المطلِّق: هو الذي يملك إيقاع الطلاق ويوقعه فعلا وهو الزوج. لقوله تعالى:]وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ[([97]) ويقول تعالى:]فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ[([98]) ولقوله r:"الطلاق لمن أخذ بالساق"([99]) أي الزوج.
وإذا كان الطلاق بيد الزوج، فلا يمكن إيقاعه على وجه تترتب عليه آثاره، إلا إذا توافرت فيه جملة شروط وهي بإيجازكالآتي:
الشرط الأول: البلوغ والعقل، بأن يكون المطلق بالغا عاقلا، فلا يقع طلاق الصبي وإن كان عاقلا، ولا يصح الطلاق من غير مكلَّف كصبي([100]). وقال الحنابلة: يصح الطلاق من زوج عاقل ولو مميِّزا يعقل الطلاق ولو كان دون عشر سنين لعموم قوله r:" الطلاق لمن أخذ بالساق"([101])، ومعنى كون الصبيّ المميز يعقل الطلاق هو أن يعلم أن زوجته تبين منه وتحرم عليه إذا طلقها([102]).
وتعليل عدم صحة طلاق الصبي المميز عند الجمهور: أن كليات الشريعة لا تجيز التصرفات إلا ممن له أهلية التصرّف، وأدناها العقل والبلوغ خصوصا ما هو دائر بين الضرر والنفع.
كما يشترط في الزوج المطلق أن يكون عاقلا فلا يقع طلاق المجنون لقوله r:" رُفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق"([103]) قال ابن قدامة:" أجمع أهل العلم على أن الزائل العقل بغير سُكر([104]) أو ما في معناه لا يقع طلاقه"([105])، ويُلحق بالمجنون النائم والمعتوه والمغمى عليه والمدهوش([106]).
الشرط الثاني: أن يكون المطلق مختارا غير مكره
ذهب الجمهور إلى أن طلاق المكره لا يقع، وهذا مذهب المالكية([107])والشافعية([108])والحنابلة([109]) والظاهرية([110])، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وغيرهم من الصحابة والتابعين، وذهب الحنفية([111]) إلى أنه يقع طلاق المكره، ووافقهم الشعبي والنخعي والزهري والثوري. حيث قالوا بأن العلّة في وقوع طلاق المكره هي حاجته إلى التخلص مما تُوُعِّد به من القتل أو الجرح أو الأذى الذي لا يطيقه، فالمكره عرف الشرّين والضررين: ضرر إيقاع الطلاق، والضرر المهدد به فاختار أهونهما وهو إيقاعه للطلاق فهو مختارا اختيارا كاملا([112]).
قال الجمهور([113]): الإكراه لا يكون مع الاختيار لإفساده إيَّاه، والتصّرف الشرعي إنما يعتبر شرعا بالاختيار، فإن فات الاختيار لم يكن للتصرف اعتبار، وطلاق المكره في الحقيقة قول أكره عليه بغير حق فلا يجوز أن يثبت له حكم. وكيف يصح إيقاع طلاق المكره مع العلم يقينا أنه لا يريد الطلاق ولا يقصده ولا حاجة له فيه؛ لقوله r:" إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه"([114])، وقوله r:"لا طلاق ولا عتاق في إغلاق"([115]). قال ابن تيمية:"الإغلاق انسداد باب العلم والقصد عليه، فيدخل فيه طلاق المعتوه والمجنون والسكران والمكره والغضبان الذي لا يعقل ما يقول؛ لأن كلا من هؤلاء قد أغلق عليه باب العلم والقصد، والطلاق إنما يقع من قاصد له عالم به"([116]).
ويتحقق الإكراه بأن يكون المكرِه قاهرا للمكرَه ولا يقدر على دفعه، وأن يغلب على ظن المكرَه أن ما يخافه من المكِره واقع به. وأن يكون ما يهدده به المكِره مما يلحق به ضررا، مثل: القتل والقطع والضرب المبرّح والحبس الطويل ونحوه([117]).
الشرط الثالث: أن يكون المطلق قاصدا الطلاق
وهو كونه ناويا إيقاع الطلاق مريدا له عازما عليه([118]). فالطلاق إنما يكون بلفظ ونية أو بلفظ فقط، وأما الطلاق بالنيّة المجردة، بأن نوى الزوج في قلبه تطليق زوجته أو طلقها في نفسه دون أن يتلفظ بلفظ الطلاق فإن طلاقه لا يقع([119])، وهذا قول عامة الفقهاء خلافا للزهري وابن سيرين. قال الزهري: إذا عزم على الطلاق طلّقت زوجته، وقال ابن سيرين وقد سئل عمّن طلق في نفسه: أليس قد علمه الله ؟ قال السائل: بلى. قال ابن سيرين: فلا أقول فيها شيئا([120]).
وقد ردّ جمهور الفقهاء ذلك بصريح قوله r:"إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم "([121]). ومنه فلا بد في الطلاق من لفظ وقصد يدلاّن عليه، فإذا افترق اللفظ عن القصد فلا يقع به طلاق، وكذلك لا يقع الطلاق بمجرد النية، وهذا الرأي أقرب إلى المصلحة وروح التشريع.
ومما سبق تتفرع مسألة وقوع الطلاق من القاصر الذي قد لا يعقل معنى الطلاق، ولا يدرك مخاطره، فهل يقع طلاقه؟ أم يجوز أن يطلق عليه وليه؟ وفيما يأتي بيان ذلك بإيجاز:
طلاق القاصر
الأصل في الطلاق أن يكون بيد الزوج لقوله r:"إنما الطلاق لمن أخذ بالساق"([122])، ويتحقق ذلك بأن يطلق الزوج بنفسه أو بمن ينوب عنه بالنيابة العامة أو الخاصة([123]).
وللفقهاء كلام في التوكيل بالطلاق([124])وتفويض الزوجة([125]).
فليس للولي مطلقا أن يطلق على من في ولايته صغيرا أو مجنونا([126])، وإن كان له أن يزوجه، وهذا هو مذهب الحنفية([127]) والشافعية([128]) -ورواية- في مذهب أحمد([129])، وأجاز المالكية لولي الصغير والمجنون ذلك إذا كان التطليق بعوض أو فيه مصلحة للصغير أو المجنون([130]). وذهب الإمام أحمد -في قول ثان- إلى أنه يجوز للولي تطليق زوجة ابنه الصغير أو المجنون، لأن ابن عمر طلق على ابن له معتوه.([131])
وقد ذهب المشرع الجزائري إلى جواز سماع دعوى الزوجية للزوج الذي لم يبلغ السن القانونية وقت رفع الدعوى، فلا يتصور أن يقوم القاضي مقام الصبي في الطلاق إن طلبت الزوجة التطليق، طبقا للفقرة الأخيرة من المادة السابعة من قانون الأسرة:"يكتسب الزوج القاصر أهلية التقاضي فيما يتعلق بآثار عقد الزواج من حقوق والتزامات"([132])، وأما بالنسبة للمجنون فإن القاضي ينوب عنه إذا ما طلبت زوجته التطليق.
الفرع الخامس: شروط المطلّقة
المطلقة هي: الزوجة التي يقع عليها الطلاق في عقد النكاح الصحيح، ويشترط لوقوع الطلاق عليها:
- قيام الزوجية وقت الطلاق: فيقع عليها الطلاق حال قيام الزوجية الصحيحة قبل الدخول أو بعده، ولا يقع على امرأة غير متزوجة.
- صحة الزواج بالعقد: فلا يقع على امرأة متزوجة زواجا غير صحيح.
- ألا تكون مطلقة قبل الدخول: فلا يقع الطلاق على من تزوجت زواجا صحيحا ثم طلقت قبل الدخول ولا يلحقها طلاق آخر، لأنها لم تكن من ذوات العدد.
- ألا تكون منتهية العدة، أو مطلقة ثلاثا.
وأما المعتدة فقد قالوا: إذا كانت معتدة من طلاق رجعي أو بائن بينونة صغرى فإنها تكون محلا للطلاق لبقاء الزواج حكما، وإذا كانت معتدة من طلاق بائن بينونة كبرى لا تكون محلا له، لأن الزوج لا يملك عليها بعد الطلقات الثلاث شيئا([133]). وإذا كانت معتدة من فسخ بسبب طارئ لا ينقض العقد بل يمنع استمراره كانت محلا للطلاق وذلك في حالتين: التفريق بسبب ردّة أحد الزوجين، أو بسبب إباء المرأة المشركة الإسلام، وإذا كانت معتدة من فسخ هو نقض للعقد من أصله لا تكون محلا للطلاق، وذلك فيما عدا الفسخ لتبين فساد العقد، أو خيار البلوغ([134]). ومن هنا تبين أن الطلاق لا يلحق الفسخ إلا في صورتين: الفرقة بسبب ردة أحد الزوجين أو بإباء المرأة المشركة الإسلام، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء، وأن الطلاق يلحق الطلاق إلا في حالتين: الطلاق قبل الدخول والطلاق البائن بينونة كبرى([135]).
وتفصيل ذلك كما يلي:
أولا: الطلاق في العدة من طلاق رجعي
الطلاق الرجعي لا يزيل الملك ولا الحل، فلزوجها أن يردها إذا شاء بإرادته دون توقف على رضاها مادامت في العدة فيزول كل أثر للطلاق سوى فقدان الزوج طلقة من طلقاته الثلاث التي يملك إيقاعها على زوجته.ومنه فهل يجوز للزوج أن يوقع عليها طلقة أخرى ما دامت في العدة؟
ذهب جمهور الفقهاء([136]) إلى أن المعتدة من طلاق رجعي يقع عليها الطلاق مادامت في العدة؛ لأنها تعتبر بحكم الزوجة ولأن الطلاق الرجعي لا يزيل الملك ولا الحل، قال ابن قدامة:" الزوجة الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه ولعانه، ويرث أحدهما صاحبه بالإجماع"([137]).
ثانيا: الطلاق في العدة من طلاق بائن بينونة صغرى
لا يقع الطلاق في هذه العدة، وهذا قول الجمهور، قال الشافعي: لا يلحقها الطلاق؛ لأن الطلاق تصرف في الملك بالإزالة، والملك قد زال بالخلع والإبانة وإزالة الزائل محال([138]). وقال ابن قدامة:"المختلعة لا يلحقها طلاق بحال"([139]).وقال الحنفية: يقع الطلاق في العدة من طلاق بائن بينونة صغرى؛ لأنها بالخلع والإبانة لم تخرج من أن تكون محلاً للطلاق([140]).
أما الطلاق في عدة البينونة الكبرى فلا تكون المرأة محلا لإيقاع الطلاق عليها لزوال الملك والحل للزوج، ومن ثم لا يقع عليها طلاقه.
[2]- تطرق المشرع الجزائري إلى فسخ الزواج في المادتين 33 و34 من قانون الأسرة، وكان الأجدر أن يجعل الفسخ صورة من صور انحلال الرابطة الزوجية لقيام العقد في بعض الحالات صحيحا ثم يطرأ عليه عارض يمنع بقاءه بعد أن نشأ صحيحا كردة أحد الزوجين. ولعل عدم ذكره في المادة 47 كونه قد خصه بالزواج غير الصحيح في المادتين 33 و34.
[3]- انظر، محمود بلال مهران: أحكام الأسرة في الفقه الإسلامي، 2/11. محمد سلام مدكور: الوجيز لأحكام الأسرة في الإسلام، ص 208.
[6]- انظر، عبد الحميد الشواربي: فسخ العقد في ضوء القضاء والفقه، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، ط3، 1997، ص114.
[9]- انظر، أبو زهرة الأحوال الشخصية، ص277-278. وعبد الرحمن الصابوني: مدى حرية الزوجين في الطلاق في الشريعة الإسلامية، دار الفكر، بيروت، ط2، 1968، ص75. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، 7/348.
[13]- جاء في بداية المجتهد:"إن الاعتبار في ذلك هو بالسبب الموجب للتفرق، فإن كان غير راجع إلى الزوجين مما لو أرادا الإقامة على الزوجية معه لم يصح كان فسخا مثل نكاح المحرمة بالرضاع أو النكاح في العدة، وإن كان يجوز لهما أن يقيما عليه مثل الرد بالعيب كان طلاقا". ابن رشد: بداية المجتهد، 2/71.
[17]- قال أبو يوسف وزفر والحسن بن زياد-من فقهاء الحنفية-: هي فرقة بغير طلاق وأنها توجب حرمة مؤبدة. الكاساني:بدائع الصنائع،3/245.
[20]- عدلت بالأمر 05-02 المؤرخ في 27/2/2005. وحررت في ظل القانون 84-11 كما يلي:"الطلاق حل عقد الزواج ويتم بإرادة الزوج أو بتراضي الزوجين أو بطلب من الزوجة في حدود ما ورد في المادتين 53 و54 من هذا القانون".
[21]- انظر، باديس ذيابي: صور فك الرابطة الزوجية على ضوء القانون والقضاء في الجزائر، دار الهدى، عين مليلة، الجزائر، 2007، ص 7-8.
[23]- عدلت بالأمر 05-02 المؤرخ في 27/2/2005. وحررت في ظل القانون 84-11 كما يلي:"لا يثبت الطلاق إلا بحكم بعد محاولة الصلح من طرف القاضي دون أن تتجاوز هذه المدة ثلاثة أشهر".
[25]- والواقع فإن ترتب أحكام الطلاق من عدة وغيرها يكون من يوم الوقوع لا من يوم الإجازة (بمعنى بعد صدور الحكم القضائي)، بخلاف طلاق الفضولي إذا أجازه الزوج فإن أحكام الطلاق تعتبر من يوم الإجازة، والفرق بينهما أن الموقع والمجيز هنا واحد، وأما في الفضولي فالموقع له غير المجيز. الدسوقي: حاشية الدسوقي، 2/370. ومنه فإن صدور الحكم القضائي بالطلاق عن طريق إرادة الزوج المنفردة لا ينشئ حكما بذلك، بل يثبته فحسب متى صدر الطلاق من قبل الزوج.
[28]- عدلت بالأمر 05-02 المؤرخ في 27/2/2005. وحررت في ظل القانون 84-11 كما يلي:"إذا تبين للقاضي تعسف الزوج في الطلاق حكم للمطلقة بالتعويض عن الضرر اللاحق بها، وإذا كانت حاضنة ولم يكن لها ولي يقبل أيواءها، يضمن حقها في السكن مع محضونيها حسب وسع الزوج، ويستثنى من القرار بالسكن مسكن الزوجية إذا كان وحيدا. تفقد المطلقة حقها في السكن في حالة زواجها أو ثبوت انحرافها".
[29]- غير أن الواقع في المحاكم الجزائرية على غرار ما هو حاصل في باقي محاكم الدول العربية والإسلامية، فإن غالبية الأحكام الصادرة في الطلاق يتحمل الزوج تبعاتها ومسؤولياتها، بمجرد إيقاع الطلاق بالإرادة المنفرد للزوج، وقد ذهب المشرع الجزائري إلى أبعد من ذلك في حالة التطليق استنادا لطلب الزوجة، فإنه يجوز الحكم لهذه الأخيرة بالتعويض طبقا للمادة 53 مكرر، غير أنه في حالة نشوز أحد الزوجين يحكم القاضي بالتعويض للطرف المتضرر.
[41]- أما قانون الأسرة الجزائري فكان متذبذبا بين التطرق للتعريف وغض النظر عنه، ففي الوقت الذي ألف ترك التعاريف القانونية للفقه للخوض فيها، لم يجسد ذلك في المادة 48 من القانون رقم 84-11 إذ نص صراحة على أن:"الطلاق حل عقد الزواج..."، ثم بين بعدها الصور التي يكون عليها الطلاق من إرادة منفردة أو بتراضي الزوجين أو بطلب من الزوجة في حدود ما أوردته المادتان 53 و 54 من نفس القانون، غير أن التعديل الجديد بموجب الأمر 05-02 لم يتطرق إلى تعريف قانوني للطلاق، واكتفى من خلال المادة 48 بذكر بعض حالات انحلال الرابطة الزوجية.
[46]- انظر، أبو زهرة: الأحوال الشخصية،ص 280. عبد الكريم زيدان:المفصل،7/347. بدران أبو العينين بدران: الفقه المقارن للأحوال الشخصية، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، 1967، 1/304.
[49]- انظر، ابن عابدين:رد المحتار، 3/227. الدسوقي:حاشية الدسوقي،2/361. الرملي: نهاية المحتاج، 6/423. ابن قدامة: المصدر نفسه، 10/224.
[61]- ابن عابدين: رد المحتار، 3/228. ورحج هذا الرأي الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم، 7/355.
[65]- مسلم:كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعث سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قرينا، صحيح مسلم،2/ 1292.
[66]- أبو داود:كتاب الطلاق، باب الخلع،حديث رقم 2226، سنن أبي داود،2/463.ابن ماجه:كتاب الطلاق، باب كراهية الخلع للمرأة، حديث رقم 2055. سنن أبن ماجه، 2/518. البيهقي:كتاب الخلع والطلاق، باب مايكره للمرأة من مسألتها طلاق زوجها،حديث رقم 14860. السنن الكبرى، 7/517.
[72]- عبد الواحد بن إسماعيل الروياني: بحر المذهب في فروع مذهب الإمام الشافعي، تحقيق أحمد عز وعناية الدمشقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط1، 2002، 10/7-8.
[73]- الطلاق الذي هو بيد الرجل ليس مطلقا بغير قيد، بل هو مقيد في عدده ومقيد في زمانه ومقيد في حكم وقوعه، وكل هذه القيود تحمي المرأة من تعسف الرجل أو ظلمه، فإذا خرج الرجل عن حدوده وأساء استعمال حقه، ترد إساءته ويردع على جوره بما يتفق والحكمة التي دعت إلى تشريعه، وبما فيه من منع الإضرار بالمرأة زوجة أو مطلقة. انظر، محمد كمال الدين إمام:أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين، منشأة المعارف، الإسكندرية،2001،ص 17-18.
[75]- لقد جعل الله تعالى من الطلاق مغنما للرجل وربطه بالمهر والنفقة اللذين جعلهما الله مغرما عليه، وفي المقابل فقد جعل الله من المهر والنفقة مغنما للزوجة وربطهما بالطلاق الذي جعله مغرما عليها. محمد سعيد رمضان البوطي:المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني، دار الفكر، دمشق، بيروت، 2002،ص 136.
[77]- القوامة على الأسرة في نظام الإسلام وشرعه، قوامة رعاية وإدارة، وليست قوامة هيمنة وتسلط، ثم إنها ليست عنوانا على أفضلية ذاتية عند الله تعالى، وإنما ينبغي أن تكون عنوانا على كفاءة يتمتع بها القائم بأعباء هذه المسؤولية...وإن فهم الأفضلية الذاتية للرجال على النساء مما يتناقض بشكل حاد مع صريح كتاب الله في نصوص كثيرة..فالأفضلية إنما هي أفضلية التناسب المصلحي مع الوظيفة التي يجب النهوض بأعبائها. انظر، محمد سعيد رمضان البوطي: المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني، ص 100-101.
[81]- البيهقي: كتاب الطلاق،باب الاستثناء في الطلاق والعتق والنذور، حديث رقم 15116. السنن الكبرى، 7/590-591.ابن ماجه:كتاب الطلاق، باب طلاق العبد، حديث رقم 2081.سنن ابن ماجه، 2/532.الدراقطني: كتاب الطلاق وغيره،حديث رقم3991. سنن الدارقطني، 5/67.
[85]- انظر، أبو زهرة: الأحوال الشخصية، ص 282. عبد العزيز رمضان سمك: أحكام الأسرة في الفقه الإسلامي، ص 301.
[87]- انظر، أبو زهرة: المرجع نفسه، ص 285. محمد كمال الدين إمام: أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين، ص 18 وما بعدها.
[88]- انظر، زكي الدين شعبان: الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية، 352-353. أحمد الغندور:الطلاق في الشريعة الإسلامية والقانون، دار المعارف، مصر، ط1، 1967، ص 308-309.
[90]-انظر، رمضان علي السيد الشرنباصي: أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، (دط،دت)، ص 11-12.
[91]- يدعو بعض الناس إلى جعل الطلاق بيد القاضي والحجر على الزوج، فلا يطلق إلا في ساحة القضاء حماية للأسرة من الانهيار وضمان عدم إساءة الرجال استعمال هذا الحق، وهذه دعوى غير صحيحة لأنها تحكم على جميع الرجال بالسفه، وعدم التقدير وسوء التصرف، لأن الله تعالى جعل الطلاق بيد الرجل كحق شخصي له لا يمكن لأحد سواه أن يوقعه إلا بتوكيل منه أو تفويض، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية. ثم ماذا يفعل القاضي إذا كان سبب الطلاق هو عدم التوافق الطبيعي والنفور وعدم توافق الأخلاق بين الزوجين، فهذه الأمور النفسية من العسير على القاضي إثباتها، كما أنه ليس من المصلحة الاجتماعية كشف خبايا البيوت وفضح أمور الأسر ونشر المستور في دار القضاء على رؤوس الأشهاد في محاضر الجلسات، لا شك أن ذلك أمر له خطره، يجب أن تصان الأسرة والمجتمع من شروره وتحفظ من ضرره. انظر، بدران أبو العينين بدران: الفقه المقارن للأحوال الشخصية، 1/308- 309.
[92]- وقوع الطلاق قضاء معناه الاعتداد به أمام القضاء وفيما يجري عليه العمل في الظاهر في دنيا الناس، أما وقوعه ديانة فيقصد به الاعتداد به في العلاقة مع الله تعالى، ولو لم يثبت قضاء، ولم تقم به البينة الظاهرة، فلو أن امرأة مثلا على يقين من أن زوجها قد أبتّ طلاقها ثلاث مرات فإنها ديانة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فيلزمها مفارقته وعدم تمكينه من نفسها ولو لم تسطع أن تثبت ذلك أمام القضاء، ولو جحد ذلك وأقام البينة الكاذبة على خلافه.
[93]- عدلت بالأمر 05-02 المؤرخ في 27/2/2005. وحررت في ظل القانون 84-11 كما يلي:"الأحكام بالطلاق غير قابلة للاستئناف ما عدا في جوانبها المادية".
[94]- وما يمكن ملاحظته حول المادة 57 من قانون الأسرة أنها لم تلغ الطرق الأخرى للطعن، ولو أراد المشرع غير ذلك لجاءت صيغة المادة كالآتي:"الأحكام بالطلاق غير قابلة للاستئناف بجميع طرق الطعن".
[103]- أبوداود: كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق، حديث رقم 4398. 4/363. ابن ماجه:كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، حديث رقم 2041. 2/512. النسائي: كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج، حديث رقم 5596. 5/265.
[104]- طلاق السكران: السكران الزائل العقل هل يقع طلاقه ؟ جمهور الفقهاء يفرقون بين سكر بطريق محظور، وبين سكران بطريق غير محظور. فمن سَكر بطريق غير محظور كالذي يشرب شراباً فيسكره، أو تناول دواء فغيّب عقله، أو تناول مسكرا ولم يعلم أنه مسكر فأسكره ففي هذه الحالات إذا طلق لم يقع طلاقه بلا خلاف. وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.الحطاب: مواهب الجليل،4/43. الشربيني: مغني المحتاج، 3/383-384. الكاساني:3/99. وقال الظاهرية: طلاق السكران لا يلزم سواء بطريق محظور أو غير محظور. وهذا القول اختاره ابن تيمية وابن القيم وهو رواية عن أحمد وبعض التابعين. وقالوا: معاقبة من سكر بطريق غير مشروع عقوبة غير العقوبة المقدّرة لجريمة السكر وأذى بالمرأة. انظر، ابن تيمية: مجموع الفتاوى، 14/71 وما بعدها.
[106]- أما طلاق السفيه: فمعتبر لأن السَّفه لا يؤثر في العقل من جهة إدراكه الأمور، فليس في عقله خلل يلحقه بالمجنون. والسَّفَه: خِفَّة تبعث الإنسان على العمل في ماله بخلاف مقتضى العقل.انظر، الشربيني: مغني المحتاج، 3/368.
[113]- ابن رشد: بداية المجتهد،2/81-82. الروياني: بحر المذهب في فروع مذهب الإمام الشافعي،10/119-120. ابن قدامة:المغني، 10/351. ابن حزم: المحلى، 10/202-203.
[118]- ومنه فلا يقع طلاق المخطئ:كأن يريد أن ينادي زوجته باسمها فيسبق لسانه إلى النطق بكلمة طالق مخاطبا إياها بهذا اللفظ، أو يتكلم بما يدل على الطلاق وهو لا يقصد بما نطق به ولكن لسانه سبق إلى ما نطق به.قال الجمهور:لا يقع طلاق المخطئ إن ثبت سبق لسانه وإن لم يثبت قُبل في الفتوى دون القضاء.وقال الحنفية: يقع طلاق المخطئ بالتلفظ بلفظ الطلاق ولا يقبل منه أنه أخطأ لأنه أمر باطني وقد يتخذ وسيلة إلى إحلال ما حرّم الله وهذا في القضاء أما في الفتوى والديانة فإن الطلاق لا يقع إذا علم من نفسه أنه أخطأ ولم يقصد الطلاق.وقال الجمهور: إن الشرع منع الهزل في الطلاق واعتبره كالجِدّ فيه حماية للفروج، أما المخطئ فمعذور ولم يختر التلفظ. انظر، الشربيني: مغني المحتاج، 3/379.
[119]- وعليه فلا يقع طلاق الملقَّن: الذي لُقِّن عبارة الطلاق دون أن يفهمها كالأعجمي، فالطلاق لا يقع لعدم قصده إيقاع الطلاق. وكذا طلاق الحاكي كالفقيه أو للتعليم لا يقع به طلاق. انظر، عبد الكريم زيدان: المفصل، 7/387.
[121]- البخاري: كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإكراه والكره، حديث رقم 5269. 3/405. مسلم: كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، حديث رقم 127. 1/69.
[123]- هناك ولي خاص وهو الولي على النفس بالنسبة للصغير والمجنون كالأب، وهناك الولاية العامة للقاضي. والفُرق التي تتوقف على القضاء نوعان:فرق الطلاق وفرق الفسخ، وفرق الطلاق التي تتوقف على القضاء عند الحنفية هي الفرقة بسبب اللعان، وقال المالكية في المشهور لا تتوقف ذه الفرقة على القضاء، والفرقة بسبب عيوب الزوج الجنسية، ويفسخ العقد عند الجمهور بسبب هذه العيوب بعد رفع الأمر للحاكم، والفرقة بسبب إباء الزوج الإسلام في رأي أبي حنيفة ومحمد. انظر، وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته،7/ 354. وزيد في الجزائر عن طريق المادة 53 من قانون الأسرة عدة أسباب تجعل الفرقة متوقفة على القضاء.
[124]- تطليق الوكيل: للزوج أن يوكل من يزوجه وله أن يوكل من يطلق عليه زوجته، فمن صح طلاقه صح توكيله فيه، كما له أن يوكل زوجته بتفويضها طلاق نفسها. وهذا مذهب الأئمة الأربعة. وذهب ابن حزم الظاهري: إلى أنه لا تجوز الوكالة في الطلاق، ولم يأت في طلاق أحد عن أحد بتوكيله إيّاه قرآن ولا سنة فهو باطل. كما لا يجوز أن يظاهر أحد عن أحد أو يلاعن أحد عن أحد. فإذا أرسل الزوج رسولا يبلغ الزوجة طلاقها، فلا يعتبر الرسول وكيلا في الطلاق، فالمرأة يقع عليها الطلاق بعبارة زوجها لا بعبارة الرسول، بينما في الوكالة يقع الطلاق بعبارة الوكيل. انظر، ابن حزم: المحلى،10/196. وقد سكت المشرع الجزائري عن ذكر طلاق الوكيل، إلا أن نص المادة 48 من قانون الأسرة الجزائري، حددت وقوع الطلاق من الزوج أو الزوجة ولم تذكر أي حالة أخرى مما لا يمكن معه تصور قبول طلاق الوكيل.
[126]- أكثر الرويات عن الإمام أحمد أن الصبي إذا عقل الطلاق وعلم أن زوجته تبين منه وتحرم فإن طلاقه يقع. ابن قدامة: المغني،10/348.
[130]- الدسوقي:حاشية الدسوقي، 2/365. قال القرافي:"الصبي ينعقد نكاحه دون طلاقه، لأن عقد النكاح سبب إباحة الوطء وهو أهل للخطاب بالإباحة والندب والكراهة دون الوجوب والتحريم، لأنها للتكليف، والطلاق سبب التحريم بإسقاط عصمة الزوج، وهو ليس أهلا للتحريم فلم ينعقد سببه في حقه".الذخيرة، 4/206.
هذا الدرس غير جاهز لبدئه بعد