درس
المحاضرة التاسعة: سلطة القاضي في إيقاع الخلع جبرا عن الزوج
متطلبات الإكمال
المحاضرة التاسعة:
سلطة القاضي في إيقاع الخلع جبرا عن الزوج
إذا كان الأصل في الخلع أن يقع بالتراضي بين الزوجين واتفاقهما، على أساس أنه عقد عند كثير من الفقهاء، والعقد يقوم على التراضي، فهل يشترط الفقهاء دور للقاضي في مسألة الخلع، سواء كان هذا الدور على سبيل الرقابة، أم أنه أكبر من ذلك كأن يشترط لصحة الخلع ضرورة إيقاعه أمام القاضي، ومنه فهل للقاضي إذا طلبت الزوجة الخلع من زوجها بسبب من الأسباب المشروعة إجبار الزوج على الخلع أو إيقاعه بدلا عن الزوج؟.
اختلفت الآراء الفقهية في هذه المسألة، ويمكن حصرها في اتجاهين:
الاتجاه الأول: ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة والظاهرية، وحاصله أن الخلع يصح بدون الحاكم، كما يصح إذا وقع أمام الحاكم، وبالتالي يقع صحيحا ولا يتوقف صدوره من الحاكم أو أمامه. فقد جاء في المبسوط:"أن الخلع جائز عند السلطان وغيره؛ لأنه عقد يعتمد التراضي كسائر العقود"([1])، وجاء في جواهر الإكليل:"وجاز الخلع بلا حاكم فلا يتوقف كونه خلعا على حكم القاضي"([2])، و قال ابن قدامة:"لا يفتقر الخلع إلى حاكم نص عليه أحمد فقال: يجوز الخلع دون السلطان"([3]). وقال ابن حزم:"فلها أن تفتدي منه ويطلقها إن رضي وإلا لم يجبر هو، إنما أجيز بتراضيهما"([4]).
واستدلوا لما ذهبوا إليه بما يلي:
أولا: يستفاد من قوله تعالى:]فلا جناح عليهما فيما افتدت به[ إباحة الأخذ من الزوجة بالتراضي من غير سلطان([5])، كما أخرج البخاري في صحيحه أن عمر بن الخطاب وعثمان-رضي الله عنهما- أجازا الخلع دون السلطان([6]).
ثانيا: الخلع معاوضة لا يحتاج إلى القاضي بل يقوم على اتفاق الطرفين، وقد جاءت الكثير من النصوص وأقوال الفقهاء دالة على ذلك، حيث قالوا: إن كُيِّف الخلع على أنه عقد معاوضة فهو كالبيع، وإن كُيّف على أنه فسخ بالتراضي كان كالإقالة وكل من البيع والإقالة لا يحتاج إلى حكم حاكم([7]).
ثالثا: قياس الخلع على النكاح والطلاق من حيث أنه لما كان النكاح والطلاق لا يحتاجان إلى حكم القاضي فكذلك الخلع؛ لأنه نوع من الطلاق. يقول السيوطي بصدد بيانه أنواع الفُرَق من حيث احتياجها إلى حضور القاضي من عدمه:"وأما ما لا يحتاج -أي إلى الحاكم- أصلا فالطلاق والخلع"([8]).
الاتجاه الثاني: ذهب جماعة من التابعين منهم سعيد بن جبير والحسن البصري وابن سيرين وأبو عبيد، إلى أنه لا يكفي لوقوع الخلع مجرد اتفاق إرادة الزوج والزوجة استقلالا، بل يجب أن يترافعا إلى الحاكم وهو الذي يقضي بوقوع الخلع. وقد ذكر الجصاص قول سعيد بن جبير:"لا يكون الخلع حتى يعظها وإلا ارتفعا إلى السلطان فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها فيرويان ما يُسْمَعان إلى السلطان فإن رأى بعد ذلك أن يفرق فرق وإن رأى أن يجمع جمع"([9]).
كما ذكر ابن حجر ما قاله الحسن البصري وابن سيرين:"لا يجوز الخلع دون السلطان"، وأن أبا عبيد اختار هذا القول([10]).
واستدلوا لما ذهبوا إليه بما يلي:
أولا: من الكتاب، قوله تعالى:]فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ[([11])، وقوله تعالى:] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا[([12]).
فقد جعل الله تعالى الخوف في الآية الأولى لغير الزوجين بقوله: "فإن خفتم" وأسنده إلى الحكام والولاة وليس إلى الزوجين، وإلا لكان قوله تعالى"فإن خافا"، فجعل الخوف لغير الزوجين، وهذا يدل على أن المراد بالخطاب الولاة وأن الخلع لا يكون إلا عندهم وبواسطتهم.كما أن الآية الأخرى "وإن خفتم شقاق بينهما" تدل على المراد نفسه([13]).
والجمهور على خلاف هذا، وقد أجابوا عن الآية بأنها جرت على الغالب([14]).
ثانيا: من السنة النبوية أن أمر النبي r لثابت بن قيس بأن يقبل الحديقة ويطلقها تطليقة، كالحكم فيلزم من ذلك ألا يقع الخلع إلا عند الحاكم. وذكر الشوكاني أن أمر النبي r في هذه الواقعة للوجوب ولم يرد ما يدل على صرفه عن حقيقته"([15])، وهذا يدل على ترجيحه أن الأمر للوجوب ولم يصرفه عن ذلك صارف.
وناقش الجمهور ما استدل به أصحاب الاتجاه الثاني بما يلي:
أولا: أن ما استدلوا به في قوله تعالى:]فإن خفتم ألا يقيما حدود الله[، قد جرى مجرى الغالب، وأن ذلك ليس خطابا للحكام وحدهم بل يشمل ولي المرأة أيضا. وهذا المعنى أكده القرطبي بقوله:"لا يمكن قصر الخطاب على الحكام، فإن الرجل إذا خالع امرأته فإنما ينفذ ما تراضيا عليه ولا يجبره السلطان على ذلك"([16]).
ثانيا: أن ما استدلوا به من السنة في واقعة ثابت بن قيس يرد عليه أن الواقعة لم تعرض على النبي r بصدد خلاف بين الزوجين، وأن حكم النبي r لم يكن بصفته قاضيا، وإنما كان على سبيل الإرشاد والتوجيه، بدليل أن امرأة قيس امتدحت زوجها للنبي r بقولها:"ما أعتب عليه في خلق ولا دين"، وأن أمره r لثابت بقبول العوض ليس حكما وإنما هو إرشاد وتوجيه([17]).
الترجيح
يظهر أن ما ذهب إليه جمهور الفقهاء -أصحاب الاتجاه الأول- في عدم احتياج الخلع إلى سلطة القاضي، وأنه يتوقف وقوعه على تراضي الزوجين هو الراجح، وذلك لقوة أدلتهم واستنادها إلى فعل كبار الصحابة الذين أقروا الخلع وصحّحوه بتراضي الزوجين دون حكم القاضي، ومن ثم فليس للقاضي منع المخالعة إذا اتفق عليها الزوجان؛ لأن الزواج من حيث أصله يتم بتراضي الطرفين دون حاجة لإذن القاضي، وكذلك الفراق بينهما عن طريق الخلع فإنه يتم بتراضي الطرفين ولا يحتاج لإذن القاضي.
ولأنه لما كانت المخالعة عقد معاوضة يقوم على التراضي فيعتبر إنهاء لعقد الزواج بالتراضي ولا يمكن أن يكون فيه إجبار من القاضي لأي طرف ومن أي جهة ولو كانت جهة السلطان، ذلك أن الإجبار يتعارض مع الرضا الذي يعدّ أساس العقود.
غير أن للمرأة أن ترفع أمرها إلى القاضي إذا تعذّر الحصول على الخلع من الزوج مباشرة فلذلك لا بد من تدخل للقاضي في هذه الحالة.
هذا الدرس غير جاهز لبدئه بعد