درس
المحاضرة العاشرة: الخلع في التشريع الجزائري
متطلبات الإكمال
المحاضرة العاشرة: الخلع في التشريع الجزائري
أولا: تعريف الخلع قانونا
هو دعوى ترفعها الزوجة ضد زوجها إذا بغضت الحياة معه ولم يكن من سبيل لاستمرار الحياة الزوجية وخشيت ألا تقيم حدود الله بسبب هذا البغض، والخلع يقتضى افتداء الزوجة لنفسها بردّ مهرها وتنازلها عن جميع حقوقها الشرعية([1]).
ثانيا: الأساس القانونى للخلع
تعتبر المادة 54 من قانون الأسرة بموجب الأمر 05-02 لسنة 2005 هي الأساس القانوني لنظام الخلع، فبموجب هذه المادة تقرر نظام الخلع كأساس قانوني صحيح وقد سبق للمشرع ذكره في القانون 84-11، إلا أنه لم يبين كيفية تطبيقه.
وقد ألغى المشرع رضا الزوج وجعل الخلع متوقفا على طلب المرأة، طبقا لما جاء به تعديل المادة 54 بموجب الأمر 05-02، وهذا يعد مخالفة لما يراه جمهور فقهاء الشريعة الإسلامية من أن الأمر في قوله r لثابت بن قيس:"اقبل الحديقة وطلقها تطليقة"([2]) هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب. وعلى هذا لم يكيف المشرع الجزائري الخلع على أنه عقد ثنائي الأطراف لا يتم إلا بالإيجاب والقبول لأنه طلاق على مال.
كما أن المحكمة لم تقيد التطليق للخلع بمحاولة الصلح بين الزوجين وندبها لحكمين لموالاة مساعي الصلح بينهما خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر على الوجه المبين في المادة 49 من نفس القانون.
وكما سبقت الإشارة إليه فإن نص المادة 54 لم يتعرض للشروط الواجب توافرها لصحة إيقاع الخلع([3])، واكتفت بالتأكيد على حق المرأة في مخالعة زوجها دون التوقف على رضاه، وأن للقاضي أن يحكم بالمقابل المالي للخلع عند عدم الاتفاق بين الزوجين على المقابل المالي للخلع. ومنه أصبح الخلع حقا أصيلا للمرأة بعد أن كان رخصة في ظل القانون 84-11 لسنة 1984.
ثالثا: موقف القضاء
سكوت المشرع الجزائري عن تحديد طبيعة الخلع كحق للزوجة أو رخصة، جعل القضاء غير مستقر على اجتهاد ثابت بعد صدور القانون 84-11، وتجلى ذلك بشكل واضح في قرارات المحكمة العليا التي أسست اجتهاداتها تارة على أساس أن العصمة بيد الزوج، وبالتالي فلا بد من رضاه بالخلع حتى يتم، وذلك كما في القرار الصادر بتاريخ21/11/1988 والذي جاء فيه:"من المقرر فقها وقضاء أن قبول الزوج للخلع أمر وجوبي، وأن ليس للقاضي سلطة مخالعة الزوجين دون رضا الزوج، ومن ثم فإن القضاء بما يخالف هذا المبدأ يعدّ مخالفا لأحكام الفقه.
ولما كان من الثابت -في قضية الحال- أن المطعون ضدها طلبت التطليق ولم يكن لها سبب فيه وأظهرت استعدادها لمخالعة زوجها دون أن يجد ذلك قبولا من هذا الأخير، فإن القضاء بتطليق المطعون ضدها على سبيل الخلع يعدّ مخالفا للقواعد الفقهية الخاصة بالخلع، ومتى كان كذلك استوجب نقض الحكم المطعون فيه دون إحالة"([4]). وهو ما جاء أيضا في القرار المؤرخ في23/04/1991:"إن المادة 54 من قانون الأسرة تشترط لصحة الخلع قبوله من طرف الزوج، ولا يمكن للقاضي فرضه عليه([5]).
وجاء الاجتهاد القضائي تارة على أساس أن الخلع حق للزوجة لا يتوقف على موافقة الزوج، ويتضح ذلك من خلال القرار الصادر عن المحكمة بتاريخ 30/7/1996:"من المقرر قانونا وشرعا أن الخلع حق خولته الشريعة الإسلامية للزوجة لفك الرابطة الزوجية عند الاقتضاء وليس عقدا رضائيا.
ومن ثم فإن قضاة الموضوع لما قضوا -في قضية الحال- بفك الرابطة الزوجية خلعا وحفظ حق الزوج في التعويض رغم تمسكه بالرجوع، فإنهم بقضائهم كما فعلوا طبقوا مبادئ الشريعة الإسلامية، ولم يخالفوا أحكام المادة 54 من قانون الأسرة، ومتى كان كذلك استوجب رفض القرار المطعون فيه"([6]).
وكما جاء في قرار آخر صادر بتاريخ 19/04/1994 وفيه:"إن الخلع أجازته الشريعة الإسلامية وكرسه قانون الأسرة، سواء رضي الزوج أو لم يرض يكفي أن تعرض الزوجة بدلا لفك الرابطة الزوجية دون دفع الحاجة إلى موافقة الزوج"([7]). ونفسه ما جاء في القرار المؤرخ في 16/03/1999:"الخلع رخصة للزوجة تستعملها لفدية نفسها من الزوج مقابل مبلغ مالي تعرضه عليه. ومن ثم فإن قضاة الموضوع لما قضوا بتطليق الزوجة خلعا دون موافقة الزوج طبقوا صحيح القانون. ومتى كان كذلك استوجب رفض الطعن([8]).
أما بالنسبة لتحديد المقابل المالي عند اختلاف الزوجين في تحديده، فلم يختلف القضاء عما جاء به النص القانوني بمنح القاضي السلطة في تحديد المقابل المالي، حيث جاء في القرار الصادر بتاريخ 21/7/1992:"من المقرر قانونا أنه يجوز للزوجة أن تخالع نفسها من زوجها على مال يتم الاتفاق عليه، فإن لم يتفقا على شيء يحكم القاضي بما لا يتجاوز صداق المثل وقت الحكم.
إن المادة المذكورة من قانون الأسرة تسمح للزوجة بمخالعة نفسها من زوجها على مال دون تحديد نوعه كما يتفق الطرفان على نوع المال وقدره، وفي حالة عدم اتفاقهما يتدخل القاضي لتحديده على أن لا يتجاوز ذلك قيمة صداق المثل وقت الحكم دون الالتفات إلى عدم قبول الزوج بالخلع الذي تطلبه الزوجة لأن ذلك يفتح باب الابتزاز والتعسف الممنوعين شرعا. وعليه فإن قضاة الموضوع-في قضية الحال- لما قضوا بتطليق الزوجة خلعا دون موافقة الزوج طبقوا صحيح القانون. ومتى كان كذلك استوجب رفض الطعن"([9]).
رابعا: آثار الخلع
إن المشرع الجزائري لم ينص على آثار الخلع، إلا أنه وانطلاقا من كون الخلع عبارة عن اتفاق حول مال معين تدفعه الزوجة نظير مخالعتها لزوجها من خلال ما جاء في نص المادة 54 نفسها، وحسب ما ذكره فقهاء الشريعة الإسلامية -مما سبقت الإشارة إليه- بأن من آثار الطلاق بالخلع([10]):
- أنه يسقط ما نشأ قبله من حقوق بين الزوجين كالمهر المؤجل والنفقة الواجبة ما عدا نفقة العدة لأنها حق نشأ بعد الطلاق.
- لا يجوز أن تكون الحضانة هي المقابل؛ لأن الحضانة ليست حقا مستقلا للحاضنة بل هو حق مقرر أيضا للأولاد.
- إذا اتفق الزوجان على أن يكون مقابل الخلع التزام الأم بنفقة الأولاد لمدة محددة أو غير محددة وتم الطلاق ووقعت الزوجة في إعسار فتقع نفقتهم على الزوج ويبقى ذلك دينا في ذمة الزوجة المختلعة.
- إن الطلاق بطريق الخلع يقع طلاقا بائنا على المشهور في المذهب الحنفي والمالكي والشافعي في الجديد.
على أنه يظهر مما سبق أن المشرع الجزائري قد أخذ بالمذهب المالكي في وجوب إجابة الزوج لطلب زوجته للطلاق خلعا، فإن امتنع أجبره القاضي على ذلك كما يفهم ذلك من الفقرة الأولى من المادة 54 من قانون الأسرة.
كما أخذ برأي جماعة من التابعين([11]) في وجوب الترافع أمام القضاء للحكم في قوع الطلاق خلعا، وهذا ما يفهم أيضا من الفقرة الثانية من المادة نفسها.
[1]- انظر، العربي بلحاج: الوجيز في شرح قانون الأسرة الجزائري، 1/263. باديس ذيابي:صور فك الرابطة الزوجية، 59-60.
[3]- يشترط قانونا للحكم بالتطليق خلعا:- أن تبغض الزوجة الحياة مع زوجها ولم يكن من سبيل لاستمرار الحياة الزوجية، وأن تخشى ألا تقيم حدود الله بسبب هذا البغض- أن تفتدى الزوجة نفسها بأن ترد لزوجها المهر الذى أعطاه لها وتتنازل عن جميع حقوقها الشرعية من مؤخر صداق ونفقة متعة ونفقة عدة- ألا تفلح المحكمة فى إنهاء الدعوى صلحا سواء بنفسها أو بالحكمين اللذين تندبهما المحكمة لهذه المهمة - أن تقرر الزوجة صراحة - أمام المحكمة- أنها تبغض الحياة مع زوجها وأنه لا سبيل لاستمرار الحياة الزوجية بينهما وتخشى ألا تقيم حدود الله بسبب هذا البغض.
[6]- ملف رقم 141262: المجلة القضائية، العدد الأول، 1998، ص 120. والملاحظ أن الاجتهاد القضائي في هذا القرار جاء متناقضا، حيث أنه وبالرجوع إلى المادة 54 من قانون الأسرة قبل تعديلها يتبن أن الخلع رخصة للزوجة تستعملها لفدية نفسها من الزوج مقابل مبلغ مالي. حيث أنها لم تنص على إهمال موافقة الزوج كما نصت على ذلك بعد تعديلها بموجب الأمر 05-02.
هذا الدرس غير جاهز لبدئه بعد