المحاضرة الثالثة عشر: التطليق للشقاق في الفقه الإسلامي وقانون الأسرة الجزائري
المحاضرة الثالثة عشر:
التطليق للشقاق في الفقه الإسلامي وقانون الأسرة الجزائري
بيّن الشرع الإسلامي أن لكل من الزوجين حقا قِبَل الآخر يجب عليه رعايته وأرشد أن أساس الزواج السكن والمودة والرحمة، ووجه الزوجين إلى مقاومة الخلافات بالموعظة الحسنة والتقويم السليم، فجعل للرجل أن يعظ زوجته بحيث إذا لم يجد معها الوعظ هجرها في المضجع، فإن لم يجد ذلك ضربها ضربا غير مبرح دون بغي ولا عدوان، كما وجه الشارع المرأة إلى استرضاء الزوج إذا شعرت منه نشوزا أو إعراضا، حتى يستقيم حاله، وإلا فإنها ترفع أمرها إلى القاضي فيعذره بما يرى أنه أنفع. ولا شك أن المقصود بالشقاق هو سوء العشرة بين الزوجين واستمرار التنافر بينهما، بسبب من الزوج أو من الزوجة، أو بسببهما معا([1])، مما يلحق الضرر بأحدهما أو بكليهما؛ لأن الشقاق بحدّ ذاته يعتبر ضررا، ولذا فإذا دبّ الخلاف واتسع نطاق الشقاق فإن الشارع قد عالج ذلك بتوسيط حكم من أهله وحكما من أهلها ليدرسا سبب الشقاق وهما على قرب منهما وصلة بهما تمكنهما من تكشف الحقائق، لمحاولة إصلاح ذات البين وملافاة أسباب النزاع قبل أن يستفحل أمره، ويتعداهما إلى باقي الأسرة. بخلاف ما ذهب إليه المشرع الجزائري من عدم بعث الحكمين في حال الشقاق وثبوت الضرر أمام القاضي وفق ما جاء في الفقرة الأولى من المادة 56 من قانون الأسرة:"إذا اشتد الخصام بين الزوجين ولم يثبت الضرر وجب تعيين حكمين للتوفيق بينهما".
وكما هو معلوم شرعا أن الفرقة بسبب الشقاق المستمر قد تكون طلاقا على الوجه المشروع إذا كانت الإساءة من جانب الزوجة، كما يكون خلعا إذا كان الشقاق بسبب كرهها له([2])، ويكون تطليقا من الحكمين إذا كان التشاجر بينهما وجهلت أحوالهما في التشاجر، ولم يعرف المحق من المبطل([3]). غير أن المشرع الجزائري جعل الحق للمرأة في طلب التطليق عند الشقاق المستمر بينها وبين زوجها، الأمر الذي قد تكون المرأة سببا في استفحاله واستمراره. ومنه فإذا كانت الشريعة قد عالجت حالة الشقاق ببعث الحكمين قصد الإصلاح بين الزوجين والتوفيق بينهما، فإن المشرع الجزائري قد أجاز للزوجة طلب التطليق عند قيام الشقاق. وترك أمر تحديد هذا الشقاق وتكييفه التكييف الذي يؤدي إلى الوقوف بجانب الزوجة، والقضاء لها بطلبها التطليق على زوجها.
على أن التطليق إنما يكون بسبب الضرر الناشئ عن الشقاق أو سوء العشرة، والذي يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية كالهجر دون موجب شرعي والضرب والسب، والإكراه على محرم أو تعاطي المحرم([4]). وهذا ما أقرته المادة 53 من قانون الأسرة في فقرتها العاشرة بقولها:"كل ضرر معتبر شرعا". فكان الأولى عدم إضافة الفقرة الثامنة الخاصة بحالة الشقاق المستمر بين الزوجين، ذلك أن الشقاق يعتبر صورة من صور الضرر المعتبر شرعا لما ينجم عنه من آلام نفسية ومعنوية -تلحق بأحد الزوجين أو بكليهما- قد تكون أشد وقعا من الضرر المادي([5]).
وعلى هذا فإن الشريعة الإسلامية لم تعتبر الشقاق سببا للتطليق، بل أوجبت تعيين الحكمين للإصلاح، وفي حالة الضرر أجازت للمرأة رفع أمرها للقاضي، ومن هنا بان الفرق الذي يستوجب الوقوف عنده في الفقه الإسلامي وقانون الأسرة الجزائري من خلال ما يأتي:
الفرع الأول: الجانب الفقهي
الشقاق: هو النزاع الشديد بين الزوجين، سواء أكان بسبب من أحد الزوجين أو بسببهما معا، أو بسبب أمر خارج عنهما([6]). والضرر هو إيذاء الزوج لزوجته بالقول أو بالفعل، كالشتم والتقبيح المخل بالكرامة والضرب المبرح، والحمل على فعل ما حرم الله، والإعراض والهجر من غير سبب يبيحه ونحوه([7]). قال الطبري:" وإن علمتم أيها الناس شقاق بينهما، وذلك بمشاقة كل واحد منهما لصاحبه، وهو إتيان ما يشق عليه من الأمور؛ فأما من المرأة فالنشوز، وتركها أداء حق الله عليها، الذي ألزمها الله لزوجها؛ وأما من الزوج فتركه إمساكها بالمعروف، أو تسريحها بإحسان"([8]). فقد يختل التوازن وتسوء العشرة ويقع الضرر، ويكون الضرر من الزوجة تارة، ومن الزوج أخرى، وحصول الضرر من الزوجة يعالج بالتأديب الوارد في آية النشوز، فإذا فشل التأديب والصلح فالطلاق بيد الزوج، وبذلك يستطيع أن يرفع الضرر عن نفسه، فإن كان الضرر من الزوج-والمرأة لا تملك الطلاق فلا يجوز أن تبقى ضحية ظلم الزوج وتجبره- من أجل هذا جعل الشرع الحكيم للمرأة الحق في أن ترفع أمرها إلى القضاء إذا وقع عليها ضرر من الزوج، وجعل للقاضي الحق في أن يطلق على الزوج على الرغم منه، إذا ثبت له ضرر، وهو ما تقتضيه نصوص القرآن التي تأمر بالعدل والإحسان والعشرة بالمعروف([9]).
والذي يهمّ في هذا المقام هو التطرق لحالة كون الزوج هو المسيء لزوجته بظلمها والتعدي عليها، أو أن الشقاق كان بسببه([10])، بمعنى الضرر الناشئ عن إيذاء الزوج زوجته ماديا أو معنويا، بكل ما يجاوز حق التأديب المباح شرعا، ولا ترى الزوجة الصبر عليه ويستحيل معه دوام العشرة بين أمثالها([11]).
والضرر الذي يعطي الحق للمرأة في رفع دعوى الطلاق يكون بواحد من الأمور الآتية([12]): سوء العشرة، والإيلاء من غير سبب شرعي، وترك الإنفاق على الزوجة، وغياب الزوج سنة فأكثر، وأسر الزوج أو حبسه، وكذا العيوب التي تكون بالزوج وتمنع تحقق بعض مقاصد الزواج، وليس لمجرد الشقاق الذي لا يخلو منه زواج، والذي عالجه القرآن ببعث الحكمين بقصد الإصلاح.
ولا شك أن من حق الزوج على زوجته إن هي خالفته ولم تطعه فيما تجب عليها طاعته شرعا أن يؤدبها، والأصل في ذلك قوله تعالى:]وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا[([13])، ولكن لا يحق للزوج أن يتجاوز هذا الحق بضربها ضربا مبرحا ولو لأجل التأديب اتفاقا. كما اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للزوج أن يسيئ إليها المعاملة، ولا يؤذيها بقول، لقوله تعالى:]وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ[([14]). فإذا تعدى الزوج حسن العشرة والمعاملة الحسنة إلى الإضرار بالزوجة، فهل يحق للزوجة في هذه الأحوال أن تطلب من القاضي أو المحكمة التفريق بينها وبين زوجها للضرر؟. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فلم يجز الحنفية والشافعية والحنابلة([15]) التفريق للشقاق أو للضرر مهما كان شديدا([16])؛ لأن دفع الضرر عن الزوجة يمكن بغير الطلاق، عن طريق رفع الأمر إلى القاضي، والحكم على الرجل بالتأديب حتى يرجع عن الإضرار بها، جاء في مغني المحتاج:"فإن أساء خلقه وآذاها بضرب أو غيره بلا سبب نهاه -أي القاضي- عن ذلك ولا يعزره، فإن عاد إليه، وطلبت تعزيره من القاضي عزره بما يليق به لتعديه عليها"([17]). وجاء في المغني([18]):"إذا وقع بينهما-أي الزوج والزوجة- شقاق نظر الحاكم، فإن بان له أنه من المرأة فهو نشوز، وإن بان أنه من الرجل أسكنهما إلى جانب ثقة يمنعه من الإضرار بها والتعدي عليها، وكذلك إذا بان من كل واحد منهما تعدّ، وادّعى كل واحد منهما أن الآخر ظلمه، أسكنهما إلى جانب من يشرف عليهما ويلزمهما الإنصاف، فإن لم يتهيأ ذلك وتمادى الشر بينهما، وخيف الشقاق عليهما والعصيان بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها فنظرا بينهما وفعلا ما يريان المصلحة فيه من جمع أو تفريق"([19]). وأجاز المالكية([20]) التفريق للشقاق أو للضرر منعا للنزاع، وحتى لا تصبح الحياة الزوجية جحيما وبلاء([21])، ولقوله r:"لا ضرر ولا ضرار"([22]).
وبناء عليه ترفع المرأة أمرها للقاضي، فإذا أثبتت الضرر أو صحت دعواها طلّقها منه، وإن عجزت عن إثبات الضرر رفضت دعواها، فإن كررت الادّعاء بعث القاضي حكمين للإصلاح بينهما، أو التفريق بعوض أو دونه([23]).
الفرع الثاني: الجانب القانوني
نص قانون الأسرة الجزائري في الفقرة الثامنة من المادة 53 على اعتبار الشقاق المستمر بين الزوجين سببا من أسباب طلب الزوجة للتطليق، حيث جاء فيها:"الشقاق المستمر بين الزوجين"([24]).
لم يعرف قانون الأسرة الجزائري التطليق للشقاق بين الزوجين قبل تعديله بموجب الأمر 05-02، وباستقراء المادة المذكورة فإنه يمكن للزوجة أن تطلب التطليق للشقاق تحت عنوان وحيد وهو الضرر المعتبر شرعا، غير أن طلبها يبقى محل تقدير من قبل قاضي الموضوع الذي يمكنه أن يحكم لها بالطلب، كما يمكن له رفضه، ويمكن الرجوع في ذلك إلى ما أقره الاجتهاد القضائي الذي جاء به القرار الصادر في 24/9/1996, والذي قرر أن استفحال الشقاق بين الزوجين يقضي بالتفريق القضائي شرعا([25]).
غير أن التعديل الذي جاء به الأمر 05-02 جعل من بين أسباب طلب التطليق الشقاق المستمر بين الزوجين، وبذلك يكون المشرع الجزائري قد استدرك هذا الموضوع وجعله سببا من أسباب التفريق القضائي، لكن دون بيان لكيفية إثبات وجود الشقاق، وإثبات استمراره، والضرر الحاصل منه، ومعرفة المتسبب فيه.
وعلى هذا لا بد من بيان إجراءات القاضي عند طلب المرأة التطليق بسبب الشقاق الناشئ عنه ضرر بها.
الإجراءات التنفيذية عند ثبوت الضرر
لم يبين المشرع الجزائري المقصود بالشقاق ولا الكيفية التي يثبت بها بغض النظر عن الضرر الناشئ بسببه. وعليه كان الأجدر بالمشرع أن لا يجيب المرأة لطلبها التطليق، حتى يتحقق من طبيعة الضرر الناشئ بسبب الشقاق، ويثبت لديه، كالضرب الذي يخلف أثرا، أو أن يثبت له أن الضرر غير بيّن، ولكن اشترطت الزوجة على زوجها في العقد أنه إذا أضر بها فلها أن تطلق نفسها، ففي هاتين الحالتين يحكم القاضي بالطلاق، ولو لم يتكرر الضرر من الزوج، لأن بقاء أثر الضرر على بدن المرأة واشتراطها عدم الضرر في العقد يقوي حجتها، ويعطي مبرر التفريق دون انتظار لتكرر الضرر.
فإن كان الضرر غير بيّن كالهجر والضرب الخفيف ولم تشترط المرأة في العقد طلاق نفسها للضرر فإن القاضي يخبر الزوج أنه إذا تكرر منه الضرر فإنه يطلق عنه، فإن تكرر الضرر، ولم يستطع الزوج أن يفند دعوى الزوجة حكم عليه بالطلاق، وإذا تكررت دعوى الزوجة بالضرر، وفي كل مرة يفند الزوج دعواها، فإن لم يتضح الأمر مع ذلك عين القاضي حكمين للإصلاح والتوفيق أو الحكم بالفراق إذا تعذر الإصلاح([26]).
وهذه النظرة الفقهية تعتبر أقرب إلى الصواب مما ذهب إليه المشرع الجزائري بإجابة الزوجة في طلبها التطليق لمجرد الشقاق. ذلك أن الفقرة الثامنة من المادة 53 لم تقرن الشقاق بالضرر - الذي يعد سببا من أسباب التطليق- بل تركت الأمر لإرادة الزوجة في طلبها التطليق بمجرد سوء التفاهم بينها وبين زوجها سواء لحقها ضرر أم لا، وهذا ما يُفهم من نص الفقرة الثامنة من المادة 53. الأمر الذي لا تقره مقاصد تشريع الزواج ولا أهدافه المنشودة.
كما أنها لم تحدد المعيار الذي يعتبر الشقاق وفقه سببا كافيا لإجابة المرأة طلبها في التطليق، من حيث إثباته وقدره واستمراره وما قد يخلفه من أضرار([27]).
والإجابة عن ذلك يمكن استقراؤها من خلال نص المادة 53 التي تشترط الاستمرار في الشقاق([28]) ومن خلال الاجتهاد القضائي الصادر سنة 1996 الآتي ذكره.
التطليق للشقاق في القضاء
اشترط القضاء في الشقاق الموجب للتفريق شرطين هما الاستمرارية وثبوت الضرر، فقد جاء في المادة 53 الفقرة الثامنة منها ما يفيد استمرار الشقاق، وجاء في القرار الصادر في 24/9/ 1996 والذي كان مدعاة لوجود هذه الفقرة من المادة 53- ما يلي:" من المستقر عليه أن استفحال الشقاق بين الزوجين يقضي بالتفريق القضائي شرعا، ولما كان في قضية الحال أن المطعون ضدها تضررت من جراء استفحال الخصام مع زوجها لمدة طويلة، مما نتج عنه إصابتها بمرض الأعصاب، وأصبحت الحياة مستحيلة بينهما، فإن القضاة بقضائهم بتطليق الزوجة لهذا السبب كاف للتفريق القضائي، طبقوا صحيح القانون، ومتى كان كذلك استوجب رفض الطعن"([29]).
وعليه يمكن القول بأن المشرع الجزائري قد تناول موضوع الشقاق المبرر لطلب التفريق -الذي جاء متأخرا- بطريقة عرضية غامضة تدعو إلى الاختلاف حوله، إلا أنه يمكن الاستئناس بالاجتهاد القضائي الذي جاء به القرار المؤرخ في 24/9/1996، وكذا القرار المؤرخ في 15/6/1999 السابقين عن وجود هذه الفقرة من المادة 53 في تفسيرها ومعرفة شروطها المتمثلة أساسا في استمرار الشقاق واستفحاله وتضرر الزوجة منه.
حيث جاء في القرار الصادر بتاريخ 15/6/1999:"من المستقر عليه قضاء أنه يجوز تطليق الزوجة لاستفحال الخصام وطول مدته بين الزوجين، باعتباره ضررا شرعيا. ومتى تبين - من قضية الحال- أن الزوجة تضررت لمدة طول الخصام مع الزوج وأن الزوج هو المسؤول عن الضرر؛ لأنه لم يمتثل للقضاء لتوفير سكن منفرد للزوجة، مما يجعل الزوجة متضررة ومحقة في طلبها التعويض. وعليه فإن قضاة الموضوع لما قضوا بتطليق الزوجة لطول الخصام، وبتظليم الزوج وتعويض الزوجة طبقوا صحيح القانون، ومتى كان كذلك استوجب رفض الطعن"([30]). حيث يفهم من هذين القرارين أن الاجتهاد القضائي قد قيد التطليق للشقاق بقيدين أساسيين هما: الاستمرار الذي تصبح معه الحياة الزوجية مستحيلة، وكذا ثبوت الضرر بسبب الشقاق، وهذا ما لم يوضحه المشرع الجزائري من خلال نص الفقرة الثامنة من المادة 53 من قانون الأسرة.
وعلى هذا -ومن خلال ما سبق بيانه- يمكن ملاحظة ما يأتي:
- أن المشرع اعتبر الشقاق المستمر سببا يجيز للزوجة طلب التطليق وفق المادة 53، مع ثبوت الضرر الذي أكدته الاجتهادات القضائية، إلا أنه لم يفرق بين حالة الشقاق التي يكون سببها الزوج ، وبين أن تكون الزوجة سببا في حصول هذا الشقاق. ومنه يحسن إعادة صياغة الفقرة على غرار ما جاء في قانون الأحوال الشخصية السوري([31]) فيما يخص الضرر المشترك بين الزوجين وحالة تغلبيه من أحدها. مع تحديد الضرر الناشئ عن غير الزوج كأولاده من زوجته الثانية أو أقربائه عندما يصل إلى حد تعكير الحياة الزوجية ويوصل إلى الشقاق وأن يكون للزوجة حق التطليق رفعا للظلم عنها بناء على قاعدة لا ضرر وضرار .
- كما أنه لم يتطرق إلى موضوع الإثبات رغم أن القضاء يفرق بين الضرر المعتبر شرعا فيقع على عاتق الزوجة إثباته، وبين الضرر المؤسس في حالة تعدد الزوجات وهنا تعفى الزوجة من إثباته، بناء على أن مجرد التعدد دون علم الزوجة يعتبر ضررا موجبا لطلب التطليق.
- ولم يحدد المشرع الجزائري معيار الضرر بسبب الشقاق الموجب للتطليق وفي غياب ذلك يبقى أمر تحديده خاضعا للسلطة التقديرية للقاضي، لذلك فإن الضرر الخفيف لا يعدّ موجبا للتطليق كما ذهبت إلى ذلك المحكمة العليا.
- كما أنه لم يبين طرق إثبات الضرر الناشئ بسبب الشقاق، تاركا الأمر معلقا- على ما يبدو- على حرية الإثبات المدني، مثل وجود أحكام قضائية سابقة بين الزوجين، أو شهادة الشهود أو وصفات طبية تثبت وجود الضرر المعتبر. فهل تكفي حجية الحكم الجنائي الصادر بإدانة الزوج في جنحة ضرب الزوجة بتطليقها على الزوج دون اللجوء إلى وسائل الإثبات الأخرى ؟. وهو ما يستدعي التطرق لمسألة حجية الحكم الجنائي الصادر بإدانة الزوج في جنحة ضرب الزوجة كوسيلة إثبات كافية لتطليق الزوجة للضرر دون الحاجة إلى وسائل إثبات أخرى.
فقد تستند الزوجة في إثبات وقائع اعتداء الزوج عليها ضربا وسبًّا إلى سبق صدور حكم جنائي ضده لثبوت اعتدائه عليها بالضرب. والذي يثير هذا التساؤل هو أن إثبات وقائع الأضرار المتمثلة في اعتداء الزوج على زوجته بالضرب إنما يشترط لثبوتها رأي العين حيث لا يكفي التدليل عليها ببينة سماعية، وأن يشاهد تلك الوقائع رجلان عدلان أو رجل وامرأتان. في حين أن الحكم الجنائي الصادر بالإدانة ضد الزوج لاعتدائه عليها يستند غالبا إلى أقوال المجني عليها وما ثبت بالتقرير الطبي المحرر بعد توقيع الكشف الطبي عليها، فهل يعدّ هذا مثل هذا الحكم دالاًّ على نسبة الإصابات التي وجدت بالزوجة إلى الزوج لمجرد ادّعائها باعتدائه عليها بالضرب، وهل يمكن للكشف الطبي المتوقع عليها في إطار الدعوى الجنائية الجزم بأن الإصابات التي شوهدت بالزوجة لا تكون إلا من الزوج وبفعله؟
هذا ما لا يمكن القول به، ومن هنا ظهرت مشكلة تعارض اختصاص الإثبات في مسائل الأحوال الشخصية بقواعد خاصة وقاعدة حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني، ومنه قضاء الأحوال الشخصية بطبيعة الحال.
فهل يعدّ مثل هذا الحكم الجنائي الذي صدر بإدانة الزوج لمجرد أقوال الزوجة المجني عليها وما ورد بالتقرير الطبي حجة دالة على نسبة إحداث إصابات بالزوجة إلى الزوج في أمر يشترط لإثباته شرعا أن يشاهده شاهدان عدلان مشاهدة العين؟
وبالنظر إلى أن المحكمة العليا لم تتعرض في قراراتها إلى تبيين طرق الإثبات، ومنها حجية الأحكام الجنائية السابقة، فإنه يمكن الإجابة عن ذلك بالاستئناس بما قضت به محكمة النقض المصرية في قراراتها المختلفة.
وتنحصر الإجابة في القول بأن الحكم الجنائي البات يفيد القضاء المدني فيما يتصل بوقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم([32])، وأن هذا المبدأ يشمل نطاقه الدعوى المدنية بالمعنى الواسع حيث يمتد إلى جميع الدعاوى المدنية مثل دعوى الطلاق المترتبة على جريمة الزنا([33]).
وحقيقة الأمر في هذا المجال أن الضرر الواقع على الزوجة لا يقتصر أمر إثباته على البينة وحدها إذ يثبت بكافة طرق الإثبات القانونية الشرعية، فيثبت بإقرار الزوج به، كما يثبت بالأوراق الرسمية والعرفية والقرائن فضلا عن البينة. أما إذا لجأت الزوجة إلى اختيار البينة وسيلة لإثبات الضرر الموجب للتطليق يتعين عليها الالتزام بقيود البينة الشرعية على وقوع الضرر، وهي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين يشهدان برؤيتهما وقائع اعتداء الزوج على الزوجة رأي العين([34]).
وعلى ذلك فإن الزوجة تستطيع أن تلجأ في إثبات وقائع إضرار الزوج بها إلى غير البينة الشرعية، ويدخل في ذلك الوسائل الأخرى مثل صدور أحكام جنائية ضد الزوج تثبت إدانته بشرط أن تكون هذه الأحكام باتة تثبت اعتداء الزوج عليها بالضرب مثلا شريطة أن يكون الحكم الجنائي ضد الزوج بإدانته لعقابه عن ذات وقائع الاعتداء التي تستند إليها الزوجة في دعواها بالتطليق للضرر.
أما إذا اختلفت واقعة اعتداء الزوج والتي صدر ضده الحكم الجنائي بشأنها عن تلك التي تستند إليها الزوجة في دعواها بالتطليق انتفت حجية الحكم الجنائي المذكور لاختلاف المحل في كل منهما، وليست العلة في ذلك اتحاد الخصوم والموضوع والسبب في الدعويين، وإنما هي في الوقائع لتوافر الضمانات المختلفة التي قررها المشرع في الدعاوى الجنائية ابتغاء الوصول إلى الحقيقة فيها لارتباطها بالأرواح والحريات بما يقتضي أن تكون الأحكام الجنائية محل ثقة الناس على الإطلاق، وأن تبقى آثارها نافذة على الدوام، وهو ما يستلزم حتما ألا تكون هذه الأحكام معرضة في أي وقت لإعادة النظر في الموضوع الذي صدرت فيه حتى لا يجر ذلك إلى تخطئتها من جانب أيًّا من جهات القضاء([35])، ذلك أنه ليس من المقبول في النظام الاجتماعي أن توقع المحكمة الجنائية العقاب على شخص من أجل جريمة وقعت منه، ثم تأتي المحكمة المدنية فتقضي بأن الفعل المكون للجريمة لم يقع منه([36]).
وتأكيدا لهذا الاتجاه ذهبت محكمة النقض المصرية إلى أنه متى كانت الدعامة الأساسية التي أقام عليها الحكم قضاءه بالتطليق هي ما ثبت للمحكمة من أن الطاعن قد قام بطرد زوجته المطعون ضدها من منزل الزوجية ودأب على سبها وهي تكفي وحدها لحمل الحكم، ولكن يبين أن أحد الحكمين الجنائيين خاص باعتداء الطاعن على شخص لا صلة له بالدعوى وأن الثاني انتهى إلى تبرئة الطاعن من تهمة الاعتداء بالضرب على المطعون عليها، وكان الحكم لم يؤسس قضاءه على هذه الواقعة، فإن التذرع بالحجية يصبح تذرعا لا سند له([37]).
وحتى يكون الحكم الجنائي الصادر ضد الزوج من المحكمة الجنائية لاعتدائه على الزوج بالضرب أو السب أمام القضاء الشرعي يتعين تكرار الإشارة هنا إلى وجوب أن تكون وقائع الاعتداء التي تستند إليها الزوجة في طلبها التطليق هي ذاتها التي كانت تشكل موضوع الدعوى الجنائية، وهو تعبر عنه محكمة النقض المصرية بكون الفعل يشكل أساسا مشتركا بين الدعويين الجنائية والمدنية([38]).
أما إذا كانت وقائع الاعتداء التي تسند إليها الزوجة في دعوى الطلاق غير تلك التي حوكم الزوج عنها في الدعوى الجنائية بمقتضى الحكم الجنائي الذي تستند الزوجة إلى حجيته امتنع القول بالحجية ويتعين عدم اعتبارها، مما يكون معه على الزوجة في هذه الحالة تقديم دليل آخر على وقائع الاعتداء المدعاة.
وإعمال مبدأ الحجية تتولاه المحكمة من تلقاء نفسها إذا ما انطوت الأوراق على حكم جنائي بات، حيث يتعين على المحكمة الاستناد إليه والقضاء على أساسه، وكفايته وحده في هذه الحالة لحمل الحكم بالتطليق.
أما إذا لم يصل الحكم الجنائي إلى هذه المرتبة جاز لمحكمة الأحوال الشخصية الاستناد إليه في إثبات إضرار الزوج بزوجته، ولكن لمجرد قرينة ضمن قرائن أخرى يتعين توافرها في الدعوى.
[1]- الشربيني: مغني المحتاج، 3/342.
[2]- انظر، الدردير: الشرح الصغير، 1/440.
[3]- انظر، ابن رشد: بداية المجتهد، 2/98.
[4]- انظر،حسن موسى الحاج موسى: القضاء الشرعي السني، ص 148.
[5]- يختلف التطليق للضرر عن التطليق للشقاق، ذلك أن من حق المرأة أن تطلب التطليق لضرر معتبر شرعا لحق بها، وأما التطليق للشقاق فقد يكون الشقاق بسببها، فكيف يكون لها الحق في طلب التطليق، مع أن الفقهاء قد نصوا في مثل هذه الحالة على حق الزوج في تأديب زوجته بالطرق المنصوص عليها شرعا.
[6]- الموسوعة الفقهية: إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بيروت، (مطابع دار الصفوة)، ط1، 1993، 29/53.
[7]- وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته،7/527.
[8]- الطبري: جامع البيان، 5/70.
[9]- انظر، الصادق عبد الرحمن الغرياني: مدونة الفقه المالكي وأدلته، 3/12.
[10]- وقد سبق الكلام عن حالة نشوز الزوج مع رغبة الزوجة في البقاء في بيت الزوجية وعدم رفع أمرها للقاضي طالبة التفريق، وكذا نشوز الزوجة وطرق علاجه ، فلا حاجة للحديث عن ذلك في هذا الموضع.
[11]- انظر، أحمد إبراهيم بك: أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية والقانون، ص 432.
[12]- ليس من الضرر منع المرأة من الخروج للنزهة ولا تأديبها في حقوق الله كترك الصلاة، ولا تزوج الرجل عليها امرأة أخرى، لأن ما أذن به الشرع لا يكون فعله ضررا، وما نهى عنه ففعله من الضرر. الغرياني: مدونة الفقه المالكي وأدلته،3/13.
[13]- النساء: الآية 34.
[14]- النساء: الآية 19.
[15]- انظر، الشربيني: مغني المحتاج،3/344. ابن قدامة: المغني، 10/262-263.
[16]- هذا النوع من الضرر يختلف عن الضرر الذي قد يلحق الزوجة ويجيز لها طلب التفريق كما في حالة إعسار الزوج بالنفقة أو وجود عيب بالزوج، أو غيابه أو حبسه، فإن الضرر فيها جميعا متى ثبت يجوز للزوجة طلب التفريق، ويكون معياره موضوعيا عاما وواحدا لجميع الزوجات لا يتغير بتغير البيئة أو الثقافة أو الوسط الاجتماعي، وليس له معيار شخصي، فإما أن يثبت الضرر أو لا يثبت، فإن ثبت فإنه يعتد به بغير الالتفات إلى مدى ثقافة الزوجة أو وسطها الاجتماعي، أما بالنسبة للشقاق بين الزوجين وإيذاء الزوج زوجته فالمعيار فيه شخصي يتوقف على مكانة الزوجة بين أمثالها، فإنه يختلف من زوجة إلى أخرى، ففعل معين بذاته قد يكون أمرا عاديا بالنسبة لزوجة، وقد يكون ضررا جسيما لا تتحمله زوجة أخرى، وتقدير الضرر ومدى جسامته أمر متروك لتقدير القاضي وفق ظروف وملابسات الدعوى وحال الزوج. فإذا ادعت الزوجة إضرار الزوج بها بما لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالها وأثبتت الضرر وعجز القاضي عن الإصلاح بينها وبين زوجها طلقها القاضي على زوجها، أما إذا ادعت الزوجة إضرار الزوج بها وأخفقت في إثبات دعواها قضى برفض طلبها. انظر، أحمد إبراهيم بك: أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية والقانون، ص 432-433. وهذا ما أغفله المشرع الجزائري حين أطلق الحق للمرأة في طلب التطليق بسبب الشقاق.
[17]- الشربيني: مغني المحتاج، 3/344.
[18]- ابن قدامة: المغني، 10/263-264.
[19]- وسيأتي ذكر الخلاف في الحكمين هل يملكان التفريق أم لا؟.
[20]- الصادق عبد الرحمن الغرياني: مدونة الفقه المالكي، 3/12.
[21]- ليس المقصود بالشقاق عند الفقهاء عدم التفاهم بين الزوجين، أو عدم الانسجام بين طبائع الرجل والمرأة، إنما يقصد به الضرر أو التعدي الذي ينشأ عنهما الشقاق، فيكون تفريق القاضي بسبب الضرر لا مجرد الشقاق كما ذهب إلى ذلك المشرع الجزائري.
[22]- سبق تخريجه، ص 275.
[23]- انظر، وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، 7/ 527-528. حسن موسى الحاج موسى: القضاء الشرعي السني، ص 134.
[24]- أضيفت هذه الفقرة من المادة 53 بموجب الأمر 05-02.
[25]- ملف رقم 139353: المجلة القضائية، العدد الثاني، 1997، ص 66.
[26]- انظر، الغرياني: مدونة الفقه المالكي وأدلته، 3/14.
[27]- وكان يفترض في مثل هذه الحالة النص على بعث الحكمين للإصلاح إذا تعذر ذلك على القاضي، وهذا مقرر في الشريعة الإسلامية بمجرد خوف وقوع الشقاق بين الزوجين.
[28]- دون بيان لمفهوم الشقاق هل المقصود به الضرر، ومن ثم يكون للمرأة الحق في طلبها التطليق، أم مجرد عدم الانسجام والتفاهم بين الزوجين فتصبح بذلك العلاقة الزوجية مرهونة بحسب مزاج الزوجة، كما أن شرط الاستمرار في الشقاق غير واضح، ذلك أن العبرة في هذه الحالة بما يخلفه الشقاق من أضرار نفسية ومعنوية أو مادية، حتى ولو لم يستمر.
[29]- ملف رقم 139353: المجلة القضائية العدد الثاني 1997، ص 66.
[30]- ملف رقم 224655: المجلة القضائية: عدد خاص 2001، ص 129.
[31]- المادة 114: 1- يبذل الحكمان جهدهما في الإصلاح بين الزوجين فإذا عجزا عنه وكانت الإساءة أو أكثرها من الزوج قررا التفريق بطلقة بائنة. 2- وإن كانت الإساءة أو أكثرها من الزوجة أو مشتركة بينهما قررا التفريق بين الزوجين على تمام المهر أو على قسم منه يتناسب ومدى الإساءة. المرسوم التشريعي رقم 59/ 1953 المعدل.
[32]- حكم محكمة النقض المصرية الصادر في 30/12/1972.
[33]- أحمد فتحي سرور: الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1980،ص 1140.
[34]- حكم محكمة النقض المصرية، دائرة الأحوال الشخصية، الطعن رقم 84 ، جلسة 28/3/1989.
[35]- حكم محكمة النقض المصرية، دائرة الأحوال الشخصية، الطعن رقم 45، بتاريخ 09/5/1940.
[36]- حكم محكمة النقض المصرية، دائرة الأحوال الشخصية، الطعن رقم 21، بتاريخ 12/1/1944.
[37]- حكم محكمة النقض المصرية، دائرة الأحوال الشخصية، بتاريخ 12/1/1944.
[38]- حكم محكمة النقض المصرية، دائرة الأحوال الشخصية، الطعن رقم 60، بتاريخ 14/12/1929.