درس
الدرس الأول:
متطلبات الإكمال
الدرس الأول: ماهية المنهج العلمي
الحجم الساعي (04 محاضرات)
المصادر والمراجع المعتمدة في إعداد الدرس:
- القرآن الكريم.
- أحمد بدر، أصول البحث العلمي ومناهجه، الدوحة، المكتبة الاكاديمية،1994.
- عبود عبد الله العسكري، منهجية البحث العلمي في العلوم القانونية، دمشق، دار التميز، الطبعة الثانية، 2004.
- مهندس أحمد الخطيب، منهج البحث العلمي بين الإتباع والإبداع، القاهرة، مصر، مكتبة الأنجلو المصرية،2009.
- عاصم خليل، منهجية البحث القانوني وأصوله، عمان، الأردن، دار الشروق للنشر والتوزيع، 2012.
- موريس أنجرس، منهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية، الجزائر، دار القصبة للنشر، الطبعة الثانية، 2006.
- عبد الله الصعيدي وآخرون، محاضرات في أصول البحث العلمي القانوني، مصر، جامعة عين شمس، 2022.
- محمد العيمش، (منهجية أو طريقة تطبيق المناهج العلمية في العلوم الاجتماعية)، وقائع أعمال المؤتمر الدولي الافتراضي حول منهجية البحث العلمي وتقنيات اعداد المذكرات والاطروحات الجامعية، الجزء الثاني، ألمانيا، المركز الديمقراطي العربي برلين، أوت 2021.
- فاضلي ادريس، مدخل الى المنهجية وفلسفة القانون، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، الطبعة الثالثة، 2007.
- عمار عوابدي، مناهج البحث العلمي وتطبيقاتها في ميدان العلوم القانونية والإدارية، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، الطبعة الخامسة، 2005.
المبحث الأول: ماهية المنهج العلمي
تعود فكرة "المنهج" بالمعنى الفقهي إلى البدايات الأولى للقرن السابع عشر، وبالضبط الى عهد الفقيهين فرانسيس بيكون، وكلود بيرنارد، اللذان اوصلا هذه الفكرة الى ما هي عليه الآن، ثم تلقاها عديد الفلاسفة والفقهاء بالتعريف.
المطلب الأول: مفهوم المنهج العلمي
جاءت في لسان العرب كلمة منهج بمعنى طريق نهج: بين واضح .... ومنهج الطريق وضحه، والمنهاج كالمنهج، وفي القرآن: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)، والمنهاج الطريق الواضح. والنهج: الطريق المستقيم.
عرف الفقيه باتل المنهج العلمي بصفة عامة، بأنه «الترتيب الصائب للعمليات العقلية التي نقوم بها بصدد كشف الحقيقة والبرهنة عليها"،وقد ساير الفقيه باتل في تعريفه للمنهج المفهوم الإنجليزي (Method) والذي يعني النظام والترتيب. كما عرف المنهج بأنه "الطريق المؤدي الى الكشف عن الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة، التي تهيمن على سير العقل، وتحدد عملياته، حتى يصل إلى نتيجة معلومة"، ويتضح من خلال هذا المعنى، بان المنهج يلعب دور الدليل والموجه للعمليات العقلية، والذي يستطيع من خلاله الباحث متى تمسك بقواعده من الوصول الى النتيجة المرجوة.
ولئن تعددت التعاريف، فإن التعريف الذي يلقى نوعا من رضا الغالبية يقصد بالمنهج "فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار المتعددة بهدف الكشف عن حقيقة مجهولة، أو البرهنة على صحتها إذا كانت معلومة". ولذلك يتعين على الباحث الامعان في اختيار المنهج، والابتعاد عن الارتجال في الاختيار، مراعيا في ذلك درجة التناسب بين البحث المراد إنجازه، والمنهج الذي يوصله الى غايته وهدفه، المتمثل في حل المشكلة المعروضة. وهو ذات الأمر الذي ذهب اليه موريس أنجرس في قوله بأن ((تحديد المنهج لا يتم بطريقة غامضة، وانما من خلال بناء تصور واقتراحات يتم التفكير فيها ومراجعتها جيدا، تسمح للباحث بتنفيذ خطوات عمله بصفة صارمة، وبمساعدة الأدوات والوسائل التي تضمن له النجاح، وصحة الطريقة، ولذلك فإن المنهج والصحة مترابطان، فإذا لم يكن سعي الباحث منهجيا، كان نجاحه سطحيا، فصحة البحث تعتمد بدرجة كبيرة على المنهج المستعمل والكيفية التي استعمل وفقها لدراسة الواقع)).
المطلب الثاني: خصائص المنهج
لقد وضع الفقيه فرانسيس بيكون سبعة خصائص للمنهج العلمي، حيث يجب أن يكون:
- واضح الغاية
- متشكك: لا يسلم بصدق القضايا إلا بعد التحقق التام من صدقها.
- شامل ووافي: أي يجب أن تكون الأمثلة مستوفاة، والملاحظة شاملة.
- مقسم: حيث تجزأ النقاط الرئيسية إلى أكبر عدد ممكن من الأقسام.
- منظم: تكون كل خطوة من التي تليها بمثابة المقدمة من النتيجة، بدء من البسيط وصعودا الى المركب.
- متماسك: بحيث تتماسك أجزاء البحث وتتضامن دون مناقضة بعضها للبعض الآخر من غير تفسير واضح.
- متمركز حول موضوعه: ألا يدخل في البحث ما ليس فيه، أو يخرج منه ما هو جوهري عنه.
ويتضح من خلال الخصائص السابقة بأنها تتوزع بحسب مراحل البحث العلمي، فلئن كانت الخاصية الأولى والثانية تتعلقان بالمرحلة الأولى من آلية المنهج العلمي، ألا وهي تحديد المشكلة البحثية ووضع الفروض المبدئية للمشكلة، فإن الخاصية الثالثة تتعلق بثاني مرحلة من المنهج العلمي وهي مرحلة جمع البيانات، في حين ترتبط الخاصية الرابعة بالمرحلة الثالثة من المنهج، والتي تتعلق بالتحليل اللازمة إما لتفهم جوانب المشكلة البحثية، أو لتحويل البيانات إلى معلومات كمرحلة سابقة للمرحلة الرابعة أين يقوم الباحث فيها بوضع الاستنتاجات وتفسير الظواهر، وهي مرحلة ترتبط غالبا بالخاصية الخامسة.
وأما الخاصيتان الأخيرتان فهما بمثابة توصية عامة لازمة لكل بحث صحيح، يتوجب خلوه من التناقض، والتشعبات التي لا تخدم موضوعه بالشكل الملائم.
المطلب الثالث: أهمية المنهج العلمي
يلعب المنهج العلمي كما أشرنا سابقا دور الموجه والدليل للعمليات العقلية التي يقوم بها الباحث، ولهذا فهو يكتسي أهمية كبرى في تسهيل مهمة الباحثين، فمن جهة يقوم البحث العلمي على منهجية منظمة تبتعد بأداء الباحث عن العشوائية ، ومن جهة أخرى ترتب المناهج العلمية الوصول إلى نتائج مقبولة تتسم بالدقة، إذ أن التحليل والتفكير المنطقي يؤدي إلى الوصول إلى حقائق ونتائج مؤكدة، وبذلك تكسب الباحثين لا سيما في مجال الدراسات القانونية قدرات على التفكير النقدي، وتكوين ملكات قانونية. كما يعتبر المنهج العلمي من أفضل الأدوات التي يستخدمها الانسان لتوسيع آفاق معارفه وزيادة معلوماته المختبرة والموثوق بها، ووسيلة للتحقق من مدى ثبات وصدق وصحة هذه المعارف والحقائق. ويمكن تلخيص أهمية المناهج العلمية في النقاط التالية:
· التفتح الذهني: تسهم المناهج العلمية في التفتح الذهني للباحث، والذي يقوم على فكرة احتمال عدم ملاءمة الواقع مع الأفكار الملقنة والمكتسبة، مما يلزم الباحث بالابتعاد عن العفوية في التفكير، والعمل على إيجاد طرق أخرى لتصور الأشياء غير تلك التي تعود عليها.
· التحكم في الذات: وذلك بالابتعاد عن الاحكام المسبقة وإلغائها جانبا، وتقبل النتائج حتى ولو كانت بعكس أفكاره المكتسبة، فضلا عن ذلك، يتوجب على الباحث تجنب التصورات العامة والتفسيرات العفوية الناجمة عن التنشئة والتجارب السابقة، والتفتح على الملاحظات والنتائج المستجدة وغير المتعود عليها، مما يعود الباحث على إعادة تقييم معارفه العلمية، وعدم التسليم وقبولها كما هي دون اختبار، مستبعدا بذلك كل معارفه العامة، لان المعرفة العامة شيء والمعارف العلمية شيء آخر مثلما يقول موريس أنجرس. أي أن المنهج العلمي يرفض الاعتماد الكلي عن العادات والتقاليد وحكمة السابقين وتفسيراتهم، وآراء أصحاب السلطة كيفما كانوا، والخبرة الشخصية، في سبيل الوصول الى الحقيقة، ويفرض على الباحث المطبق له الفحص الدقيق والتقصي المنظم، والملاحظة الموضوعية، والتقيد بالأسس والعناصر التي يقوم عليها المنهج، واتباع خطواته.
· الموضوعية: وتعني لدى البعض الحياد، كما تعني لدى البعض الآخر الابتعاد عن المصالح الذاتية، وبصفة أدق تعني الموضوعية وصف كل ظاهرة وصفا صادقا مطابقا للواقع.
· تقبل النقد: من المعترف به في الأوساط العلمية أن التبادل المعمم للنقد ضروري للإبقاء على درجات عالية من الموضوعية، فالنقد هو الضمان الحقيقي والأكثر يقين لاستمرار موضوعية العمل الذي يطمح إليه الباحث.
ورغم الأهمية القصوى التي تكتسيها المناهج العلمية في البحث العلمي، غير أن البعض يرى صعوبة في تطبيق هذه المناهج في العلوم الاجتماعية عامة، ومنها العلوم القانونية والإدارية، مرجعين ذلك الى جملة من النقاط تتمثل فيما يلي:
· عدم موضوعية الباحث: باعتبار ان الباحث جزء من الدراسة الاجتماعية، فهو ينتمي الى جميع جوانبها الاقتصادية والسياسية و..، وبذلك فهو يتأثر بتأثرها، ومن ثم يفقد جزء من حياديته.
· خصوصية الظاهرة الاجتماعية: تتسم الظاهرة الاجتماعية بعدم الاستقرار والتغير وعدم الثبات، الامر الذي يصعب من اخضاعها للملاحظة والتجريب، وعلى اعتبار أنها ظواهر معنوية، لا يمكنها أن تتكرر بنفس الظروف، لان هذه الأخيرة تتغير حسب الزمان والمكان.
· عدم دقة القوانين والمصطلحات والمفاهيم: تتسم القوانين والمصطلحات والمفاهيم ذات الصلة بالدراسات الاجتماعية عكس العلوم الطبيعية والرياضية والطبية، بالمرونة الشديدة وعدم الدقة نتيجة تباين المجتمعات وعدم استقرارها، وهو الامر الذي يؤدي الى عدم خضوع الدراسة لمبدأ الحتمية.
المطلب الرابع: تقسيمات المناهج العلمية
تتباين مناهج البحث العلمي بتباين العلوم والبحوث، الأمر الذي انعكس على عدم اتفاق الفقهاء حول تقسيم موحد للمناهج العلمية، غير أن ذلك لم يمنع البعض منهم من تقسيمها الى مناهج عقلية وأخرى إجرائية، فإذا كانت الأولى تعني "تلك المناهج التي تتخذ من التفكير العقلي أساسا لها"، أي جملة المناهج التي تعتمد على إعمال الذهن والإرتكان إلى التأمل على تفاوت في الدرجة فيما بينها، ومثالها المنهج الاستدلالي. فإن الثانية تعني "تلك المناهج التي يتم اختيارها تأسيسا على الأسلوب الذي ينتهجه الباحث في العرض"، ومثالها المنهج التاريخي والمقارن و...
كما يمكن تقسيم المناهج إلى مناهج كمية وهي تعني تلك المناهج التي تهدف إلى قياس الظاهرة موضوع الدراسة، وقد تكون هذه القياسات من الطراز الترتيبي مثل أكثر من أو أقل من، أو قياسات عددية وذلك باستعمال الحساب. وأخرى كيفية وهي تعني تلك المناهج التي تهدف بالأساس إلى فهم الظاهرة موضوع الدراسة، وعليه ينصب الاهتمام هنا أكثر على حصر الأقوال التي تم جمعها أو السلوكات التي تمت ملاحظتها، لذلك يركز الباحث هنا على دراسة الحالة أو دراسة عدد قليل من الأفراد. ولأننا بصدد دراسة مناهج البحث في العلوم القانونية سوف نعتمد كل أنواع التقسيم المبينة أعلاه.
هذا الدرس غير جاهز لبدئه بعد