درس
الدرس الرابع: الاستشارة القانونية
متطلبات الإكمال
الدرس الرابع: الاستشارة القانونية
المحور الرابع: تقنيات تقديم على الاستشارة القانونية
إن الاستشارة القانونية هي عملية تقنية بحتة لا يمكن ممارستها إلا من قبل مختص ملم بالقاعدة القانونية يملك من القدرات ما يؤهله لاستخلاص الحلول القانونية التي تتلائم مع الوقائع أو التصرفات القانونية أو النزاعات التي يطرحها أشخاص لهم مصلحة في معرفة حكم القانون في قضايا معينة أو بطرح سؤال من جهة إدارية أو سياسية أو هيئة اقتصادية أو متعامل اقتصادي، ولم يكن هناك نزاع فقد يحتاجها الشخص حتى يكون على بينة من أمره قبل الإقدام على اتخاذ قرار معين، خاصة إذا كان يجهل طبيعة العمل أو الأشخاص المتعامل معهم فهنا هي من أجل الحيطة وتجنب المشاكل بإتباع الطريق السليم الذي سينيرهم المستشار وذلك بإسقاط القواعد القانونية على العناصر الواقعية من أجل خلق حل قانوني يكون مصدره المبادئ العامة للقانون والاجتهادات القضائية.
ولكي تكون الاستشارة وواضحة وشاملة يجب على الباحث احترام خطوات منهجية باعتبارها بحث منهجي سواء كانت مكتوبة أو شفوية من أجل الوصول إلى استشارة دقيقة.[1]
هنا سنتناول موضوع الاستشارة القانونية في مطلبين:
المطلب الأول تعرضنا فيه لمفهوم الاستشارة القانونية، أما المطلب الثاني فنخصصه لمنهجية إعداد واستشارة قانونية.
المطلب الأول: مفهوم الاستشارة القانونية
سنتناول في هذا المطلب ما يلي:
أولا: تعريف الاستشارة
الاستشارة هي رأي قانوني يعطيه رجل القانون بناء لطلب شخص يرغب في الوقوف على وضع قانوني معين، فيعرض للمستشار العناصر الواقعية طالبا تحديد النتائج القانونية التي يمكن أن تترتب عليها، فيسعفه المستشار بالرأي الذي يبين له الوضع القانوني من جميع جوانبه، ويمكن طلب الاستشارة بمناسبة نزاع معين كما قد تطلب نشوء أي نزاع، وهي في كلتا الحالتين تهدف لتحديد الوضع القانوني من الجوانب التي يرغب طالب الاستشارة بالوقوف عليها.
فالاستشارة عبارة عن رأي قانونيي يتضمن جوابا على مسألة قانونية مطروحة بشأن ترتيب وضع قانوني أو وضع حل لنزاع قانوني معين[2].
ثانيا: أطراف الاستشارة القانونية
للاستشارة طرفين هما: طالب الاستشارة والقائم بالاستشارة
أ- طالب الاستشارة (المستشير): إن الاستشارة بشكل عام تفترض أن شخصا طبيعيا أو معنويا أو جهة معينة تستوضح حكم القانون في مسألة أو قضية معينة المستهدف حلها وإيضاحها[3].
وطالب الاستشارة قد يطلبها لنفسه أو نيابة عن غيره فيستوي في ذلك تبيان صلته بالموضوع محل الاستشارة.
ب- المستشار القانوني: يتم وضع الاستشارة من قبل رجل القانون دون أن يكون من الضروري له صفة رسمية فقد يكون محاميا أو قاضيا أو أستاذا جامعيا، أو شخص ملم بالحقل القانوني.
فالتشريع الجزائري لا ينظم مهنة المستشار، إلا أنه عمليا فالمحاسبي يقدم بتقديم الاستشارات القانونية.
طبقا لنص المادة الخامسة من القانون المتضمن مهنة المحاماة " يقوم المحامي بتمثيل الأطراف ومساعدتهم ويتولى الدفاع عنهم، كما يقدم لهم النصائح والاستشارات القانونية "[4].
وعلى المستشار إعمال منهجية حل النزاع القانوني بمعالجة المسألة القانونية وفقا للمنطق القانوني الذي يقوم على أساس الاستدلال القانوني.
ثالثا: المنطق القانوني وقواعده
من أجل سلامة الحل القانوني لا بد من التحكم في فنيات الاستدلال والمنطق القانوني ولا بد من معرفة تقنيات الاستنتاج والوصول بالمسائل القانونية إلى الحلول الصحيحة، حيث أن المنطق القانوني الذي يقوم على أساس الاستدلال القانوني ينقسم إلى نوعين منطق صوري ومنطق جدلي.
وقد انقسم رجال القانون إلى نزعتين:
1-النزعة الشكلية: وهي النزعة الغالبة في المدرسة الوضعية تعتبر الاستدلال القانوني القائم قائم على المنطق الصوري فتحتل القاعدة القانونية مركز المقدمة الكبرى والمسألة أو الواقعة القانونية مركز المقدمة الصغرى، ويندرج الحل منطقيا في النتيجة التي نصل إليها عن طريق الاستنتاج.
2-النزعة الشكلية: تضم فقهاء المدرسة الطبيعية وخصوم الوضعية الغالية، وتعتبر هذه النزعة النظام القانوني نظام ناقص تتخلله الثغرات والتناقضات، وعليه فهو يستدعي استدلالا شموليا لا ينحصر في المنطق الصوري، لأن هذا الأخير غير كفيل باستيعاب الظاهرة القانونية بمختلف تعابيرها، وإنما يتعداه إلى المنطق الجدلي الواسع الذي يبحث في سبيل الجدل والإقناع ويشتمل على صيغ عديدة للاستدلال.
والواقع يجعلنا نقبل بأن المنطق القانوني يشمل النزعتين والاستدلال الصوري يكتمل بالاستدلال الجدلي ولا يتناقض معه فكلاهما يهدف إلى الوصول إلى نتيجة قانونية سليمة وبتظافرهما يتمكن القانون من نصرة الحق وتكريس الحقيقة[5].
من خلال ما تكلمنا عنه ينبغي على المستشار حل المسألة القانونية وفقا للمنهج الاستدلالي، لأن الواقعة القانونية التي تنبثق عنها المسألة القانونية هي صراع أو نزاع يستدعي تحديد الوقائع وتقسيمها على ضوء القانون، فلا يكفي حصرها وتحديدها بل ينبغي عليه تبيان الطبعة القانونية التي تحكم الوقائع المعروضة عليه وتكييفها التكييف القانوني السليم ويجعل منها أدوات قانونية صحيحة صالحة لاستنتاج حل قانوني وعلى ضوء المعطيات القانونية.
على الرغم من أن حل المسألة القانونية عمليا دائما نجدها تخص القاضي إلا أنني حاولت إسقاطها على المستشار باعتباره رجل قانون وأن عمله الأول هو عقلي يتطلب حل المسألة القانونية المعروضة عليه قبل كتابتها وفق المنهجية المقررة لإعداد الاستشارة القانونية.
المطلب الثاني: منهجية إعداد استشارة قانونية
إن الاستشارة بحث قانوني مختصر يستهدف تطبيق قاعدة أو قواعد يراها المستشار القانوني مناسبة وملائمة للوضع أو الواقعة أو معرفة رأي القانون بشأنها، لذا فإن إعدادها قد يكون شفاهة أو كتابة، وذلك بالنظر إلى إجابة المستشار، إلا أنه من الناحية القانونية يستلزم تحريرها وفق منهجية محددة ومضبوطة، وقد طرح المختصون في علم المناهج عدة طرق لإعداد استشارة قانونية وهي ليست على سبيل الحصر، لذا حاولنا الاهتداء إلى منهج يتطلب دراسة الاستشارة بالاعتماد على منهجية حل المسألة القانونية.
أولا: المرحلة التحضيرية
يفترض في رجل القانون أن يتبين الحالة التي تندرج ضمنها الاستشارة المطلوبة، ولك من خلال تحديده لإطار النزاع على ضوء ما يعرضه عليه طالب الاستشارة لذلك سنجملها في العناصر التالية:
أ- الوقائع: إن إعطاء المستشار الرأي بشأن الوضع القانوني المطروح عليه يستوجب بالدرجة الأولى تحديد إطار النزاع والنقاط القانونية المطروحة، لأن رأيه سيكون إجابة على تلك النقاط.
هذه النقاط هي كل الأحداث التي سيردها المستشير من أفعال وأقوال أو تصرفات قانونية وحتى الإجراءات التي اتبعها أمام القضاء وخسر دعواه تعد من وقائع النزاع، فالمستشير سيرد وقائع النزاع عموما بطريقة عامية وعلى المستشار أن ينقلها كاملة كما هي ثم يعيد صياغتها بأسلوب قانوني[6] هنا يظهر عمل المستشار، فقد يعيد ترتيب العناصر الواقعية، ويركز على العناصر المنتجة منها في حل النزاع ويستبعد التي لا علاقة لها بموضوع النزاع ولا تفيد في حله، ويقارن إدعاءات الخصوم عند وجودهم ووسائل الإثبات المتوفرة لدى كل منهم وكل ذلك بهدف إعمال منهجية حل النزاع القانوني توصلا لإعطاء الحلول المصرحة بناء على وقائع سليمة ومنتجة وصحيحة.
فالمستشار يجمعه في حصر وتحديد العناصر الواقعية المنتجة وهي وضع الحلول القانونية، ومن هنا يمكن أن يسلط الضوء على عناصر واقعية يكون طالب الاستشارة أغفل عرضها عليه أو اختصر في عرضها ظنا منه، أنها لا تؤثر في الحلول[7].
فهو يحاول تحديد المعطيات المادية والقانونية المهمة والأسس الجوهرية التي تعتمد عليها الإجابة أو الحل القانوني[8].
ب- المشكل القانوني والإجابة عليه: في الاستشارة القانونية ثاني خطوة يستخرج المستشار المشكل القانوني من السؤال المطروح من المستشير والذي كما سبق وذكرنا يطرحه بأسلوب عام، إلا أن المستشار أو الطالب الملزم بإعداد استشارة قانونية أن يعيد صياغته بأسلوب قانوني، كما عليه أن يطرحه دقيقا وتطبيقيا[9]، فالمستشار يحل محل طالب الاستشارة ويعيد طرح السؤال الذي يرمي إليه لأن ذلك سيساعده على دراسة المسألة القانونية دراسة صحيحة، فيمكن للمستشار أن يتوصل إلى حل واحد لهذا المشكل القانوني أو إلى عدة حلول محتملة تبعا لمدى ثبوت العناصر الواقعية أو وحدة أو تعدد التفسيرات للقاعدة أو القواعد القانونية الواجبة التطبيق.
وهنا على المستشار أن يقترح الحلول على ضوء القانوني الوضعي ويصرف النظر عن نظرته وتقويمه للقانون الوضعي[10]، فهنا عليه تحديد فرع القانون الذي يناسب المشكلة فقد يكون الأمر متعلقا بالقانون الإداري أو القانون المدني أو القانون الجنائي وغيره، ثم بعدها تحديد النص الواجب التطبيق، وبالنتيجة الجهة القضائية المختصة فهو يحاول التمكن من إيجاد حل لطالب الاستشارة مراعيا في ذلك نطاق تطبيق النص من حيث الأشخاص والمكان والزمان ومبدأ تدرج القاعدة القانونية وإن كان معدلا أو ملغيا كل ذلك من أجل إسقاط النص القانوني على الوقائع[11].
ثانيا: المرحلة التحريرية
سبق وذكرنا أن الاستشارة تتم بشكل شفهي أو كتابي، إلا أنه مع التطور التكنولوجي أصبح من الضروري أن تكون الاستشارة محررة ومكتوبة، لأنها قد ترسل بالفاكس أو عن طريق البريد الالكتروني أو البريد العادي، كما أنه قد تسلم إلى صاحبها باليد ويستحسن أن تكون مكتوبة، وأن الاستشارة هي وثيقة تحتوي على مجموعة من البيانات:
- بيانات طالب الاستشارة
- تاريخ طلب الاستشارة
- الوقائع المادية والقانونية
- المشكل القانوني
- النص الواجب التطبيق
- الحيثيات التي تم الاعتماد عليها في إبداء الرأي القانوني
- الحل القانوني للمشكلة موضوع الاستشارة
إلا أن المرحلة التحريرية منهجيا تستدعي التعرض إلى عنصرين وهما الخطة ثم مناقشة هذه الخطة.
أ- الخطة: يرجع المستشار في الإجابة على المشكل القانوني إلى تنظيم إجابته وفق خطة وذلك باختيار منهج معين، وهذه الخطة لا تخرج عن الخطة العادية المعروفة في مناهج البحث، وقد سبق ذكرنا وجوب كونها متسلسلة ومتوازنة وتطبيقية وأن تجيب عن المشكل القانوني وذلك ضمن مبحثين في العادة
ب- المناقشة: إن الأجزاء الأساسية والمصممة للخطة تتركز على ثلاث نقاط هي المقدمة وصلب الموضوع والخاتمة
ت- صلب الموضوع: تحرير ما جاء في الخطة من مسائل بالتسلسل وبالترتيب باحثا عن الحل الملائم للمشكل القانوني المطروح والبحث عن النص القانوني المنظم لها مع تبريره[12]. وذلك بالربط المنطقي بين القاعدة القانونية والوقائع ومدى مطابقتهما وشروط تحقيقها
ث- الخاتمة: هي بإيجاز تجيب عن سؤال المستشير طبقا للقانون، فهي النتيجة المتوصل إليها بعد الدراسة والتحليل والمناقشة القانونية.
[4] - القانون 13- 07 المؤرخ في 29/10/2013 المتضمن تنظيم مهنة المحاماة، ج ر، عدد 55 المؤرخة في 30/10/2013.
[11]-سهيلة بوخميس، محاضرات منهجية البحث العلمي، السداسي الثاني، السنة أولى ماستر، تخصص قانون عام، جامعة 8 ماي 1948 قالمة، الجزائر، ص 8.
هذا الدرس غير جاهز لبدئه بعد