ملخص المحاضرة الرابعة: البعثات الدبلوماسية
ملخص الدرس
أولا : البعثة القنصلية
إن دراسة البعثة الدبلوماسية في شقها القنصلي يستدعي منا الخوض في كيفية تشكيل البعثة القنصلية ثم تحديد وظائف هذه البعثة وهو ما سنعكف على استظهاره أدناه.
1 – تشكيل البعثة القنصلية.
يخضع تشكيل البعثة القنصلية وفقا لاتفاقية فيينا الخاصة بالعلاقات الدبلوماسية والقنصلية للعام 1963 بحسب نص المادة الثانية [1]من ذات الاتفاقية إلى عنصر أساسي بين الدول التي ترغب في إقامة علاقات قنصلية وهو الرضا المتبادل بين الدولتين، ففيما يخص مسألة تعيين وقبول رؤساء البعثات القنصلية فقد أقرت المادة 10 من ذات الاتفاقية إلى أن مسألة تعيين رؤساء البعثات تكون من صلاحيات الدولة الموفدة على أن تستقبلهم الدولة المضيفة وهذا ما تم النص عليه في الفقرة الثانية من المادة الثانية والتي أكدت على"مع مراعاة أحكام هذه الاتفاقية فان أصول تعيين وقبول رؤساء البعثات القنصلية تحددها قوانين وأنظمة وعادات الدولة الموفدة والدولة المضيفة"
ويجب أن يزود رئيس البعثة القنصلية بكتاب تفويض الذي تمنحه الدولة الموفدة وترسله إلى حكومة الدولة المضيفة لرئيس البعثة، ويتضمن هذا الكتاب المعلومات الخاصة بصفة رئيس البعثة و اسمه الكامل ودرجته وحدود صلاحياته ومقر البعثة القنصلية[2]،وهذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 11 من ذات الاتفاقية حيث جاء فيها"ترسل الدولة الموفدة كتاب التفويض أو ما يشابهه بالطريق الدبلوماسي أو بأي طريق أخر مناسب إلى حكومة الدولة التي سيمارس رئيس البعثة القنصلية وظائفه في إقليمها.
ولا يجوز لرئيس البعثة القنصلية ممارسة مهامه إلا بترخيص أو إذن يجيز له ذلك تمنحه إياه الدولة المستقبلة وهو ما تم النص عليه في المادة 12 من ذات الاتفاقية ،والتي نصت على ما يلي "يسمح لرئيس البعثة القنصلية بممارسة وظائفه بموجب ترخيص من الدولة المضيفة يدعى إجازة قنصلية مهما يكن شكل هذا الترخيص " ونصت الفقرة الثانية من نفس المادة على "إن الدولة التي ترفض منح الإجازة القنصلية ليست ملزمة بإبلاغ الدولة الموفدة أسباب رفضها.
2– وظائف البعثة القنصلية.
لقد بينت المادة 5 من اتفاقية العلاقات القنصلية للعام 1963 مهام القناصل سواء كانت إدارية أو قضائية أو سياسية عندما أكدت أن الوظائف القنصلية تشمل الوظائف التالية.
أ – حماية مصالح الدولة الموفدة ومصالح رعاياها (الأشخاص الطبيعيين والمعنويين) في الدولة المضيفة وذلك في الحدود التي يسمح بها القانون.
ب – تنمية العلاقات التجارية والاقتصادية والثقافية والعلمية بين الدولتين الموفدة والمضيفة وتعزيز العلاقات الودية بينهما بكل وسيلة أخرى في إطار أحكام هذه الاتفاقية.
ج – التعرف بكل الوسائل المشروعة إلى الأحوال التجارية والاقتصادية والثقافية والعلمية وتطورها في الدولة المضيفة ووضع التقارير عن هذا الموضوع لحكومة الدولة الموفدة وتزويد أصحاب المصالح بالمعلومات.
د – منح الجوازات ووثائق السفر لرعايا الدولة الموفدة وكذلك السمات والمستندات للأشخاص الذين يودون التوجه إلى الدولة الموفدة.
ه – تقديم المساعدة والإعانة الى رعايا الدولة الموفدة سواء أ كانوا أشخاصا طبيعيين أم معنويين .
و – القيام بأعمال الكاتب العدل والمسجل المدني وممارسة الوظائف المشابهة وكذلك القيام ببعض الأعمال ذات الطبيعة الإدارية شرط أن لا يكون في فوانيين الدولة المضيفة وأنظمتها ما يمنع ذلك.
ز – حماية مصالح رعايا الدولة الموفدة (الأشخاص الطبيعيين والمعنويين) في قضايا التركات في إقليم الدولة المضيفة وفقا لقوانين هذه الأخيرة وأنظمتها.
ح – حماية مصالح رعايا القاصرين أو ناقصي الأهلية من رعايا الدولة الموفدة خصوصا عندما تكون الوصايا أو الولاية مطلوبة وذلك في حدود قوانين الدولة المضيفة وأنظمتها.
ط – القيام مع مراعاة قواعد التعامل والإجراءات المتبعة في الدولة المضيفة بتمثيل رعايا الدولة الموفدة أو اتخاذ القرارات لتأمين تمثيلهم المناسب أمام المحاكم أو السلطات الأخرى في الدولة المضيفة من أجل الحصول وفقا لقوانين الدولة المضيفة وأنظمتها على إجراءات مؤقتة للمحافظة على حقوقهم ومصالحهم عندما لا يكون بإمكانهم بسبب تغيبهم أو لأي سبب أخر ، الدفاع في الوقت المناسب عن حقوقهم ومصالحهم .
ي – تحويل المستندات العدلية و غير العدلية أو تنفيذ الاستنابات وتكاليف أخذ الشهادة نيابة عن محاكم الدولة الموفدة وفقا للاتفاقيات الدولية المرعية الإجراء ،وفي حال عدم وجودها بأية طريقة تتلاءم مع قوانين الدولة المضيفة وأنظمتها.
ك – ممارسة حقوق الرقابة والتفتيش التي تنص عليها قوانين الدولة الموفدة وأنظمتها بالنسبة إلى السفن البحرية والنهرية التي تحمل جنسية هذه الدولة والطائرات المسجلة فيها ،وبالنسبة إلى ملاحيها .
ل – تقديم المساعدة إلى السفن والطائرات المذكورة في الفقرة السابقة (ك) من هذه المادة والى ملاحيها وتلقي التصاريح حول سير هذه السفن والتدقيق في أوراقها وختمها خلال الرحلة ،دون المساس بصلاحيات سلطات الدولة المضيفة ،وفض المنازعات بمختلف أنواعها بين الربان والضباط والبحارة في حدود ما تسمح به قوانين الدولة الموفدة وأنظمتها.
م – ممارسة كل الوظائف الأخرى التي تعهد بها الدولة، أو تكون واردة في الاتفاقيات الدولية المرعية الإجراء بين الدولتين الموفدة والمضيفة.
3 – أنواع الموظفين القناصل وترتيبهم.
ضمن هذا المجال سنتعرف أولا على أنواع الموظفين القناصل، ثم بعد ذلك نتطرق إلى ترتيب درجة القناصل.
أ – أنواع القناصل.
يوجد نوعان من القناصل سنوجزهم أدناه
النوع الأول : القناصل المبعوثون Consuls de carrière ،هذه الفئة من القناصل هم الذين تم تعينهم من قبل الدول التي ينتمون إليها ويتم بعثهم أو إرسالهم قصد تولي وضيفة قنصلية لدى الدول الموفدين إليها،ومقابل ذلك يتقاضون راتبا ماليا ، ولا يسمح لهم ممارسة أي وظيفة أخرى موازاة مع وظيفتهم القنصلية ويعتبرون في حكم رعايا الدولة التي أرسلتهم.[3]
النوع الثاني : القناصل الفخريون ،يتم اختيارهم من بين رجال الأعمال ،أي من فئة التجار،وما يميز هذه الفئة هو أنهم يتمتعون تقريبا جلهم بجنسية البلد الذي يقيمون فيه ، والمهمة المكلفون بها هي تمثيل مصالح دولة أجنبية فيما يخص رعايا تلك الدولة في البلد الذي يقيمون فيه،ويمكن للرعايا أن يكونوا من رعايا دولة ثالثة أو من رعايا الدولة الموفدة،وعلى عكس القناصل المبعوثون لا يتقاضى القناصل الفخريين مرتبات مالية ،بل أنهم في الغالب ما يقومون بأعمال من دون مقابل ،كما أنهم لا يدخلون ضمن فئة الموظفين التابعين للدولة التي يمثلونها وهذا بخلاف القناصل المبعوثون ، وصفتهم في تمثيل الدولة هي توكيلية لا غير الأمر الذي يسمح لهم بممارسة مهن أخرى يتقاضون بموجبها مرتبات أو مقابل مالي.
وعن الممارسة الفعلية يلاحظ تقريبا أن معظم دول العالم تعتمد في تعيينها للقناصل على القناصل المبعوثون التابعون لها ومن موظفيها.
ب - ترتيب درجة القنا صل.
بحسب المادة 9/1 من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية الصادرة عام 1963 فانها صنفت رؤساء البعثات القنصلية كالتالي.
1 – القناصل العامون.
2 – القناصل.
3 نواب القناصل.
4 – وكلاء القناصل.
ان مسألة ترتيب أو تسمية الموظفين القناصل بالنسبة للدول لا يستوجب بالضرورة إتباع الترتيب المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 9 مع استثناء رؤساء البعثات الخاصة،وهو ما تم النص عليه في الفقرة الثانية من ذات المادة والتي أكدت على ما يلي"إن الفقرة الأولى من هذه المادة لا تقيبد بأي شكل حق أي من الفرقاء المتعاقدين في تحديد تسمية الموظفين القنصليين ما عدل رؤساء البعثات الخاصة"
ثانيا: البعثات الخاصة.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ونظرا لكون العلاقات الدولية تشابكت وتعقدت بالمعضلات الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي استدعى إيجاد حلول سريعة للقيام بأعمال لا يمكن أن تقوم بها البعثات الدبلوماسية الدائمة[4] نظرا لطبيعة هذه المهام مثل إيفاد أشخاص مؤهلين تأهيلا علميا أو تقنيا معينا[5]ومن خلال دراستنا لموضوع البعثات الخاصة سنقوم بمعالجة هذا الموضوع من حيث العناصر التالية.
1 – تعريف البعثات الخاصة.
ورد تعريف البعثات الخاصة في المادة الأولى الفقرة الأولى من اتفاقية البعثات الخاصة المنعقدة بتاريخ 8 ديسمبر 1969[6]حيث نصت على أنه"يقصد بتعبير البعثة الخاصة بعثة مؤقتة تمثل الدولة وتوفدها دولة إلى دولة أخرى برضا الدولة الأخرى لتعالج معها مسائل معينة أو لتؤدي لديها مهمة محدودة "
استنادا إلى هذا التعريف يمكننا استخلاص بعض العناصر يجب أن تتوفر في البعثة الخاصة لإعطائها ذلك الوصف سنوجزها فيما يلي.
أ – يجب أن تكون العثة موفدة من دولة إلى أخرى.
ب – يجب أن تتوفر البعثة على صفة التمثيل لدى الدولة الموفد لها.
ج – أن البعثة الخاصة لا تقوم إلا بموجب اتفاق بين دولتين وبرضاهما.
د – على عكس البعثات الدائمة فان مهام البعثات الخاصة مؤقتة ،أي أن تاريخ نهايتها معلوم مسبقا لدى الدولتين ونهايتها عادة ما تكون مرتبطة بانتهاء المهام التي أنشئت لأجلها.[7]
وقد تضمنت المادة الثانية من الاتفاقية حكما يمنح الدولة المضيفة سلطة تقديرية واسعة لقبول استقبال البعثات الخاصة ،كما أن الدولة المستقبلة تملك الحق في إخطار الدولة الموفدة في أي وقت ومن دون إبداء أي سبب أن أحد أعضاء بعثة خاصة تابعة لها أو أي دبلوماسي فيها شخص غير مرغوب فيه Personal non grata .
2 – إنشاء البعثات الخاصة و استقبالها.
تتكون البعثة الخاصة من ممثل واحد أو أكثر للدولة الموفدة، كما يمكن أن تضم أعضاء دبلوماسيين وآخرين إداريين وفنيين وأفراد للخدمة العامة ،وبهذا الخصوص تقوم الدولة الموفدة للبعثة بتعيين رئيسها ،وفي حالة عدم تعيين رئيس البعثة يمكن للدولة الموفدة أن تختار من يمثلها من بين أعضائها حتى يتصرف ويتكلم باسمها لدى الدولة الموفد إليها.[8]
فالبعثات الخاصة تكون مخولة عادة سلطة التعامل مع وزارة خارجية الدولة المستقبلة فيما يتعلق بالأعمال الرسمية المسندة إليها كافة،وقد تتعامل الدولة مع أية هيئة أخرى متفق عليها من هيئات الدولة الموفدة [9]،وتقوم الدولة المستقبلة بتقديم كافة التسهيلات الضرورية اللازمة حتى تتمكن البعثة من مباشرة أعمالها ،وتبدأ مهمة البعثة الخاصة بمجرد الاتصال الرسمي بينها وبين وزارة خارجية الدولة المستقبلة أو أي جهة حكومية أخرى ،كما تعفى البعثة الخاصة من تقديم أوراق اعتماد وهو ما نصت عليه المادة 13 /2 حيث جاء فيها"لا يتوقف بدء وظائف البعثة الخاصة على تقديم البعثة من قبل البعثة الدبلوماسية الدائمة للدولة الموفدة أو على تقديم أوراق الاعتماد أو وثائق التفويض".
تتوفر البعثة الخاصة كغيرها من البعثات على مقر يتم الاتفاق عليه مع الدولة المستقبلة، وفي حالة لم يتفق الطرفين على ذلك (الدولة الموفدة والدولة المستقبلة) يكون مقرها في المكان الذي تقع فيه وزارة خارجية الدولة المستقبلة.
3 – حصانات وامتيازات البعثات الخاصة.
هناك توافق كبير بين حصانات وامتيازات البعثات الخاصة وبين حصانات وامتيازات البعثات الدبلوماسية الدائمة ،فالبعثة الدبلوماسية الخاصة تستمد نظام حصاناتها وامتيازاتها من نظام حصانات وامتيازات الدولة ،كما هو الحال بالنسبة للبعثة الدبلوماسية الدائمة .
يلاحظ أن نظام حصانات وامتيازات البعثات الخاصة سار وراء اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 باستثناء بعض التحفظات القليلة المشار اليها في المادة 22 المتعلقة بالتسهيلات التي تمنح للبعثة ،حيث ربطت هذه المادة تقديم تسهيلات للبعثة الخاصة مرهون بطبيعة ومهام البعثة ونفس الشيء ينطبق على حرية تنقل البعثة ،بحيث يكون مرهون كذلك بالقدر الضروري لأداء مهامها ،وفيما يلي نوجز بعض الحصانات الممنوحة للبعثة الخاصة.
أ – الإعفاء من الضرائب أثناء أداء مهامها فيما يتعلق بالمرافق التي تستخدمها منصوص عليها بالمادة 15 من اتفاقية البعثات الخاصة لعام 1969.
ب– حرمة المحفوظات والوثائق الخاصة بها منصوص عليها بالمادة 26 من اتفاقية البعثات الخاصة لعام 1969 .
ج – يتمتع أعضاؤها بالحرمة الشخصية وبالحصانة القضائية في الشؤون الجنائية والإدارية والإعفاء من الضمان الاجتماعي والإعفاء من الضرائب والرسوم[10] والإعفاء الجمركي وحرمة الاتصال واستخدام الحقيبة الدبلوماسية ، كما يجب أن نشير إلى أن هذه الحصانات والامتيازات تمتد إلى أفراد أسر أعضاء البعثة الخاصة.
- علي حسين الشامي، الدبلوماسية نشأتها وتطورها ونظام الحصانات والامتيازات ، بيروت ، دار العلم للملايين 1990 ص 293 .[2]
[3] - غازي حسن صباريني ، الدبلوماسية المعاصرة ، دراسة قانونية ، الطبعة الأولى ، الإصدار الثاني 2009 ، دار الثقافة ،ص 226 .
- عبد الفتاح الرشدان ،محمد خليل الموسى ، أصول العلاقات العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، مرجع سابق ص 85 .[4]
[5]- B ,s,murty, the international law of Diplomcy, the Diplomatic Instrument and world public order,pordecht : Marttnus –Nijhof publishers 1989 P 262.
[6] - تضم الاتفاقية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص البعثات الخاصة 55 مادة تتقدمها الديباجة التقليدية التي تشير إلى الدافع لإبرام الاتفاقية وهدفها هو الرغبة في تحديد وضع البعثات الخاصة وبيان المزايا والحصانات التي يمكن أن يتمتع بها أعضاؤها تيسيرا للمهام التي تتولها نيابة عن دولهم وباسمها باعتبارهم ممثلين لها.
[7] - من بين الأمثلة على البعثات الخاصة نجد بعثات التعاون الاقتصادي أو الصناعي التي توفدها بعض الدول لمساعدة دول في حاجة أليها ،وبعثات التمثيل التجاري المقيمة ذات الصفة الدبلوماسية ،للمزيد من التفاصيل أنظر نص المادة الأولى من مشروع الاتفاقية والتعليق عليها في تقرير لجنة القانون الدولي في أعمالها خلال دورتها بتاريخ19 ماي 1967ص 4 .