المحاضرة الخامسة: تمثيل الدول في علاقاتها بالمنظمات الدولية
ملخص الدرس.
أولا : مفهوم المنظمة الدولية.
1- تعريف المنظمة الدولية.
المنظمة الدولية هي هيئة تضم مجموعة من الدول من خلال اتفاق دولي يهدف إلى السعي لتحقيق أغراض ومصالح مشتركة على نحو دائم، وتتمتع هذه الهيئة بالشخصية القانونية والذاتية المتميزة بالنسبة للدول الأعضاء فيها في المجال الدولي.[1]
يجب التنويه أن الفقه الدولي لم يتوصل إلى اتفاق بشأن العناصر المميزة والمشكلة للمنظمة الدولية ، فهناك فريق يرى أنها خمسة عناصر وهي(الطابع الدولي ،الإرادة الذاتية، الاستمرار،الميثاق الغرض من إنشاءها تحقيق مجموعة من الأهداف ) أما الفريق الأخر يرى أنها أربعة عناصر هي(الصفة الدولية ،اتحاد إدارة الدول الاستمرارية، الإرادة الذاتية) والرأي الأرجح حسب بعض المختصين وعلى رأسهم الأستاذ طلعت الغنيمي يرى أن العنصرين الأساسيين والضروريين لقيام المنظمات الدولية هما(الدوام ،الإرادة الذاتية)
2 – وظائف المنظمة الدولية.
المنظمة الدولية الحكومية هي جهاز يرسم السياسة ، فهي تدعو الحكومات إلى المداولة ، ويحدد نشاطها بواسطة أدوات هي التوصيات أو اتفاقات أو قرارات ، ويمكن للمنظمة الدولية السهر على تنفيذ الاتفاقات ووضع الإجراءات العملية لتطبيقها ، وتنقسم المنظمات الدولية إلى منظمة دولية عالمية إذا كانت عضويتها مفتوحة لكل الدول وهو ما ينطبق على منظمة الأمم المتحدة ) Onu ( ومنظمات دولية إقليمية عندما تقتصر العضوية فيها على بعض الدول مثل جامعة الدول العربية.
ثانيا: قواعد التمثيل الدبلوماسي بين الدول ومنظمة دولية.
لقد نصت اتفاقية هافانا التي أبرمتها الدول الأمريكية بشأن الممثلين الدبلوماسيين المبرمة في 20 فيفري 1928 من خلال نص المادة 2 منها أن تقسيم المبعوثين الدبلوماسيين يضم مبعوثين عاديين (Ordinaires) يمثلون دولة لدى دولة أخرى و غير عاديين (Extraordinaires)تعهد إليهم مهمة خاصة أو يعتمدون لتمثيل حكومة في مؤتمرات أو اجتماعات أو هيئات دولية أخرى ، ثم جاء في المادة 9 من ذات الاتفاقية "أن المبعوثين غير العاديين يتمتعون بذات الحصانات والمزايا المقررة للمبعوثين العاديين.[2]
وبغرض معرفة قواعد و أسس التمثيل الدبلوماسي بين الدول و منظمة دولية سنستعرض مسألة تمثيل الدول لدى منظمة الأمم المتحدة، كونها تعبر عن الوجه الحقيقي للعمل الدبلوماسي الدائم و المتعدد الأطراف وفقا للأتي.
1 – الأسس القانونية للبعثة الدبلوماسية المعتمدة لدى الأمم المتحدة.
إن اعتماد بعثة دبلوماسية تمثل الدولة لدى منظمة الأمم المتحدة لا يتم إلا من خلال وجود أسس و قواعد قانونية تحكم تعيين البعثة و أعضائها بالإضافة إلى تحديد وظائف البعثة و انتهاء عملها.
أ – تشكيل البعثة.
إن مسألة تعيين أعضاء البعثة الدبلوماسية المعتمدة لدى منظمة الأمم المتحدة تحكمها اتفاقية تمثيل الدول في علاقاتها مع المنظمات الدولية ذات الصفة العالمية المبرمة بتاريخ 13 مارس 1975 بفيينا ، وقد عملت هذه الاتفاقية إلى تنظيم العلاقات الدبلوماسية المتعددة القائمة بين دولة مرسلة و أخرى مضيفة توجد في اقليمها المنظمة الدولية و التي تستقبل البعثة أو وفد الدولة المرسلة.
فوفقا للاتفاقية الخاصة بتمثيل الدول في علاقاتهم مع المنظمات الدولية ذات الصفة العالمية ، فانه يمكن لأية دولة عضو في منظمة دولية أن تنشئ بعثة دائمة لها إذا كانت القواعد المعمول بها داخل المنظمة تسمح لها القيام بذلك ، وهنا يجب التذكير أن اتفاقات المقر تعد من القانون الداخلي للمنظمة ومن جملة القواعد المعمول بها داخلها مادام الجهاز المختص داخل المنظمة قرر قبول اتفاق المقر.[3]
و قد تضمنت المادة 5 من ذات الاتفاقية بذلك ، حيث ورد في الفقرة الثالثة منها "أن المنظمة الدولية المعنية إخطار الدولة المضيفة (دولة المقر) بإنشاء بعثة دائمة لكل دولة من الدول الأعضاء في المنظمة ، وذلك قبل الشروع في إقامتها ، ويمكن للدول غير الأعضاء إذا سمحت قواعد المنظمة بإنشاء بعثات الملاحظة الدائمة للقيام بالوظائف المشار إليها في المادة 7 من ذات الاتفاقية"
ب – شروط إنشاء البعثات الدائمة لدى منظمة الأمم المتحدة.
إن التمثيل الدائم للدول لدى منظمة الأمم المتحدة و إنشاء البعثات الدائمة لديها يخضع لبعض الشروط هي.
1 – يجوز للدولة أن تنشئ بعثة دائمة لدى منظمة الأمم المتحدة إذا سمحت بذلك.
2 – يجب على المنظمة الدولية أن تخطر دولة المقر بإنشاء البعثة قبل الشروع في إنشائها.
2 – مهام البعثات الدائمة لدى المنظمات الدولية.
إن وظائف البعثات الدائمة بهذا الخصوص تضمنتها الاتفاقية المشار إليها أعلاه (اتفاقية تمثيل الدول في علاقاتها مع المنظمات الدولية ذات الصفة العالمية المبرمة بتاريخ 13 مارس 1975 بفيينا) و فيما يلي نوجز أهمها.
أ – ضمان تمثيل الدولة الموفدة لدى المنظمة الدولية.
ب – تسهر على المحافظة على الأواصر و الصلات بين الدولة الموفدة و المنظمة المعينة.
ج – التفاوض مع المنظمة الدولية و التفاوض مع الدول الأعضاء الأخرى.
د – تثبت أنشطة و فعاليات المنظمة و إرسال التقارير الخاصة بها إلى حكومة الدولة الموفدة.
ه – المشاركة في أنشطة المنظمة.
و – حماية مصالح الدولة الموفدة في العلاقة مع المنظمة الدولية المعنية، العمل على تحقيق أهداف و مبادئ المنظمة بالتعاون معها وفي إطارها.
ي – تشجيع تحقيق مقاصد و مبادئ المنظمة من خلال التعاون معها و مع الدول داخلها.
ما يمكن ملاحظته بشأن هذه المهام المتضمنة في المادة 6 من ذات الاتفاقية هو أنها تتشابه إلى حد بعيد مع المهام المخولة للبعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى الدول ، فهي عبارة عن مهام تقليدية محضة محصورة في وظائف التمثيل و التفاوض و الإعلام و حماية مصالح الدولة .
ثالثا : حصانات و امتيازات البعثات الدبلوماسية لدى المنظمات الدولية.
يتمتع ممثلو الدول الأعضاء لدى المنظمات الدولية بالحصانات و الامتيازات التي تتطلبها وظيفتهم للقيام بأعمال بكل حرية ، فإعطاء الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حرية اختيار ممثليها في المنظمات الدولية قد يضعف من مركز الدولة التي تستضيف مقر المنظمة بسبب عدم وجود علاقات بينهما وبين بعثة الدولة لدى المنظمة أو أن تكون العلاقة مقطوعة،وهذا لا يمنع الدولة مقر المنظمة أن تلتزم بالحصانات و الامتيازات للبعثة الموفدة لدى المنظمة،فالدولة صاحبة المقر لا يمكن لها أن تطلب إلى الدولة الموفدة للبعثة عدم رغبتها في استقبال ممثلي البعثة كأن تأمر مثلا أحد أفراد البعثة بمغادرة إقليمها باعتباره شخصا غير مرغوب فيه ، وهذا على عكس الحصانات و الامتيازات الممنوحة للبعثات الدبلوماسية الدائمة .[4]
و فيما يلي سنتطرق إلى الحصانات و الامتيازات الممنوحة للبعثة كعنصر أول أما العنصر الثاني فسنتعرف من خلاله على الحصانات و الامتيازات الخاصة بالمنظمة الدولية ذاتها.
1 – الحصانات والامتيازات الممنوحة لممثلي البعثة لدى منظمة دولية.
تتقرر الحصانات الدبلوماسية لمصلحة الدول ذات السيادة و الهدف منها هو تمكين مبعوثيها الدبلوماسيين من المراكز القانونية التي تسمح لهم القيام بمهامهم على أحسن وجه،[5]فالحصانات و الامتيازات الممنوحة لممثلي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة طبقا للمادة 16 من اتفاقية حصانات و امتيازات الأمم المتحدة و المادة الأولى من اتفاقية المنظمات المتخصصة هم ، المندوبين و المندوبين المساعدين و المستشارين والخبراء الفنيين و السكرتيرين الموفدين معهم.
و بحسب نص المادة 11 من اتفاقية حصانات و امتيازات الأمم المتحدة فقد نصت على "يتمتع الدول الأعضاء في الهيئات الرئيسية أو الفرعية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة و المؤتمرات التي تعقدها أثناء قيامهم بأعمالهم الرسمية و سفرهم إلى مقر اجتماعهم و عودتهم منه بالامتيازات و الحصانات التالية.
أ – عدم جواز القبض عليهم أو حجزهم أو حجز أمتعتهم الشخصية و بالحصانة القضائية.
ب – حرمة جميع المحررات و الوثائق الخاصة بهم.
ج – حق استعمال الرمز في رسائلهم و تسلم مكاتبهم برسول خاص أو بحقائب مختومة.
د – حق إعفائهم و زوجاتهم من كافة القيود الخاصة بالهجرة و من كافة إجراءات القيد المفروضة على الأجانب و التزامات الخدمة الوطنية في البلاد التي يدخلونها أو التي يمرون بها أثاء قيامهم بأعمالهم.
ه – نفس التسهيلات التي تمنح لممثلي الدول الأجنبية الموفدين في مأمورية رسمية مؤقتة فيما تعلق بالنظم الخاصة بالعملة و القطع.
و – الحصانات و التسهيلات نفسها التي تمنح للممثلين الدبلوماسيين فيما يتعلق بأمتعتهم الخاصة .
ي – جميع المزايا و الحصانات و التسهيلات الأخرى التي لا تتعارض مع ما سبق ذكره مما يتمتع به رجال السلك الدبلوماسي مع استثناء حق المطالبة بالإعفاء من الرسوم الجمركية على الأشياء المستوردة التي لا تخص استعمالهم الشخصي أو ضريبة الإنتاج أو البيع.[6]
بالإضافة إلى الحصانات و الامتيازات المذكورة تكون الدولة ملزمة بتوفير الأمن و الحماية لممثلي الدول الأعضاء في منظمات دولية الموجودين على إقليمها بصفتهم هذه، و قد كرست اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بمكافحة الجرائم المرتكبة ضد الأشخاص المحميين دوليا و المعاقبة عليها لعام 1973 هذا الالتزام.[7]
2 – الحصانات والامتيازات الممنوحة للمنظمات الدولية.
على غرار الامتيازات و الحصانات الممنوحة لبعثات الدول الأعضاء لدى المنظمة الدولية وحتى يكون هناك توازن من حيث نشاط الممثلين و المنظمة كشخص معنوي تتمتع المنظمة الدولية بحصانات و امتيازات هي.
أ – الحصانة القضائية ، لقد تم النص عليها في المادة 2 من اتفاقية حصانات و امتيازات الأمم المتحدة و التي أكدت على "تتمتع الأمم المتحدة و أموالها و وموجوداتها أينما كانت و تحت يد من كانت بحق الإعفاء القضائي بصفة مطلقة ما لم تقرر الهيئة صراحة التنازل عن هذا الامتياز(الحق).
ب – حرمة الأماكن الخاصة بالمنظمة و موجوداتها، نصت على ذلك المادة 3 من ذات الاتفاقية و التي أكدت أن الأماكن الخاصة بالمنظمة هي مصونة و لا تخضع أموالها و لا موجوداتها أينما كانت و تحت يد من كان لأية إجراءات تفتيش أو استيلاء أو مصادرة أو نزع ملكية أو لأي نوع آخر من أنواع الإجراءات الجبرية ذات الطابع الإداري أو القضائي أو التشريعي.
ج – حرمة المحفوظات و الوثائق ، نصت على ذلك المادة 4 من اتفاقية حصانات و امتيازات الأمم المتحدة بالقول " تكون مصونة حرمة المحفوظات و الوثائق بكافة أنواعها أينما وجدت سواء أكانت خاصة بهيئة الأمم المتحدة أم في حيازتها"
د – تسهيلات الاتصالات ، و تتمثل هذه التسهيلات في معاملة الرسائل الرسمية لكل هذه المنظمات في أقاليم الدول الأعضاء معاملة لا تقل امتيازا عن معاملة تلك الدول لرسائل أية دولة أخرى و بعثتها الدبلوماسية بكافة أنواعها سواء كانت سلكية أو لاسلكية ، وكذا الاتصالات الهاتفية.
د – الامتيازات المالية ، نصت على هذه الامتيازات المادة 7 من ذات الاتفاقية حيث جاء فيها على أن " تتمتع المنظمات و وموجوداتها و أموالها بالامتيازات الضريبية التالية.
1 – الإعفاء من الضرائب المباشرة ماعدا ما يختص منها بالمرافق العامة.
2 – الإعفاء من الرسوم الجمركية و الأوامر الصادرة بحظر أو تقييد الاستيراد و التصدير لكل ما تستورده أو تصدره.
3 – الإعفاء من جميع الرسوم الجمركية و الأوزار الصادرة بحظر أو تقييد الاستيراد و التصدير لكافة ما تستورده من المطبوعات الخاصة بها.
رابعا : انتهاء مهام البعثة الدائمة لدى المنظمة الدولية.
تنتهي مهام البعثات الدائمة لدى المنظمات الدولية بطريقتين هما.
1 – الإغلاق القسري.
وهو الإغلاق الجبري و يكون في حالة واحدة وهي انسحاب الدولة الموفدة من المنظمة الدولية أو طردها منها، وقد يصدر طلب الإغلاق خلال هذه الحالة من الدولة المضيفة أو صاحبة مقر المنظمة الدولية أو من المنظمة الدولية ذاتها.
2 – الإغلاق الطوعي أو الاختياري.
هذا الغلق يعتبر تحصيل حاصل لعدم إلزامية إنشاء بعثات دائمة لدى المنظمات الدولية على اختلافها سواء كانت عالمية أو إقليمية ، وهذا يدخل ضمن إطار سيادة الدولة في إبعاد بعثات دبلوماسية دائمة لدى المنظمات الدولية أم لا ، فللدولة كل الحية في إيفاد البعثات أو صرف النظر على إيفادها.
فهناك حالات أخرى يمكن أن تنتهي بها البعثات الدبلوماسية الدائمة لدى المنظمات الدولية هي، زوال المنظمة الدولية أو تصفيتها أو حالة نقل مقرها إلى مكان آخر، ففي مثل هذه الحالة تغلق البعثة أو تنقل إلى المقر الجديد.[8]
كنوز القانون الدولي، المنظمات الدولية، تعريف المنظمات الدولية وأنواعها. Konouz.com انظر الرابط التالي : - [1]
[2] - راجع نص المواد 2 ، 9 من اتفاقية هافانا لعام 1928 ، للمزيد من التفاصيل أنظر في ذلك علي صادق أبوهيف ، القانون الدولي العام في موضوع الاعتراف بالدولة وبالحكومة الجديدة و صوره ، بدون ذكر الطبعة وتاريخ النشر 372 .
[3] - محمد خليل الموسى، الجوانب المعاصرة للشخصية القانونية للمنظمات الدولية، مجلة الفكر الشرطي، المجلد الثاني عشر، العدد 45 لسنة 2012 ص 161.