ملخص المحاضرة السابعة: الحصانات والامتيازات الدبلوماسية المقررة لتسيير عمل البعثة
ملخص الدرس
أولا: حصانة الاتصالات والمرسلات.
إن الأصل العام أو المبدأ العام هو تمتع البعثة الدبلوماسية بكامل الحرية للاتصال بالهيئات التي يفرضها عملها ، وبالتالي إلزام الدولة المستقبلة بتقديم كل التسهيلات اللازمة للبعثة في ميدان الاتصالات وأن تتم في سرية تامة، وقد تم النص على هذه الحرية في المادة 25 من اتفاقية هافانا لعام 1928 ، كما تم النص على هذا المبدأ في المادة 27 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 فقد جاء فيها"تسمح الدولة المعتمد لديها للبعثة الدبلوماسية بحرية الاتصال من أجل كافة الأعراض الرسمية ، و تحمي هذه الحرية و للبعثة في اتصالها بحكومة الدولة الموفدة لها وكذلك بالبعثات الأخرى و القنصليات التابعة لهذه الدولة أينما وجدت أن تستخدم كل و سائل الاتصال الملائمة ومن بينها الرسل الدبلوماسيين و الرسائل الاصطلاحية أو المحررة بالشفيرة".
وتضمنت الفقرة الثانية من ذات المادة على حرمة الرسائل الدبلوماسية حيث جاء فيها"للمراسلات الرسمية للبعثة حرمة مصونة، و تشمل عبارة المراسلات الرسمية كافة المرسلات الخاصة بالبعثة و مهامها "
لكن هذه الحرمة قد تصطدم بمعوقات تحول دون أن تستفيد منها البعثة الدبلوماسية نظرا لطبيعة المراسلات الخاصة بالبعثة و التي قد تمر على أكثر من دولة ، وهنا يطرح الإشكال بالنسبة لمدى جدوى الالتزام بهذه الحرمة من قبل الدولة المضيفة طالما أن الدول الأخرى التي تمر بها المرسلات غير مكترثة لهذه الحرمة.
إن هذه الإشكالية لم تمر مر الكرام على واضعي اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية للعام 1961 ، حيث نصت الفقرة الثالثة من المادة 40 على أن تمنح الدول الأخرى للمراسلات الدبلوماسية ووسائل الاتصال الرسمية الأخرى المارة بها ومن بينها الرسائل الاصطلاحية أو الرمزية نفس الحرمة و الحماية التي تمنحها الدولة المعتمدة لديها، وتمنح كذلك للرسل الدبلوماسيين بعد حصولهم على تأشيرة دخول ، حيث تلزم هذه التأشيرة وكذلك للحقائب الدبلوماسية المارة بها ذات الحرمة و ذات الحماية التي تلتزم الدولة المعتمد لديها بمنحها لهم.[1]
ويدخل ضمن الاتصالات والمراسلات أجهزة اللاسلكي وهي الهاتف،البريد، البرق شبكات الأنترنت و بهذا الخصوص ذكرت المادة 27 من ذات الاتفاقية أنه "لا يجوز للبعثة الدبلوماسية أن تقيم أو تستعمل جهاز إرسال لا سلكي إلا بموافقة الدولة المعتمدة لديها"
فالبعثة الدبلوماسية ملزمة بطلب الإذن من الدولة المضيفة للترخيص لها باستخدام مثل تلك الوسائل انطلاقا من الأمن القومي للدول، إن هذا الطرح الذي جاءت به المادة 27 الفقرة الأولى يتنافى مع حرمة المراسلات الرسمية للبعثة لأن هذه الفقرة نعتقد أنها تقيد من حرية البعثة في اختيار نوع الوسائل التي تريده البعثة لأن هذه الفقرة تسمح للدولة المستضيفة أن تمارس الرقابة على وسائل الاتصالات و المراسلات من خلال منح الإذن للبعثة بحجة الأمن القومي للدول.
ثانيا : الرسول الدبلوماسي.
نصت المادة 27 في الفقرة 5 و 6 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 على الحصانة التي يتمتع بها الرسول الدبلوماسي حيث أكدت الفقرة 5 على"تقوم الدولة المعتمد لديها بحماية الرسول الدبلوماسي أثناء قيامه بوظيفته على أن يكون مزودا بوثيقة رسمية تبين مركزه وعدد الطرود التي تتألف منها الحقيبة الدبلوماسية ، ويتمتع شخصه بالحصانة و لا يجوز إخضاعه لأية صورة من صور القبض أو الاعتقال"
فهذه الفقرة بينت صفات الرسول الدبلوماسي اذ يجب أن يكون حاملا لمستند رسمي يدل على صفته و يحدد فيه عدد المواد المكونة للحقيبة الدبلوماسية ، كما أنه يكون أثناء قيامه بمهامه في حماية الدولة المعتمد لديها ، بمعنى أنه يتمتع بالحصانة الشخصية ولا يجوز إخضاعه لأي إجراء من إجراءات القبض أو الحجز، أما عن الفقرة 6 من ذات المادة فقد أجازت للدولة المعتمدة أو للبعثة تعيين رسول دبلوماسي خاص ، وقد نصت المادة 40 من ذات الاتفاقية على تمتع الرسول الدبلوماسي بنفس الحماية لدى مروره بالدول الأخرى في طريقه إلى وجهته النهائية.
و قد جرى العمل لدى الدول على أن تعهد بالحقيبة الدبلوماسية إلى قادة الطائرات[2] التجارية ، وفي هذه الحالة لا يعتبر قائد الطائرة في حكم الرسول الدبلوماسي ، أي أنه لا يتمتع بالحصانة الشخصية ، أما الحقيبة الدبلوماسية تظل متمتعة بحرمتها إلى غاية وصولها إلى وجهتها ، و هنا يجب أن يكون هذا القائد حاملا لمستند رسمي يتضمن كل البيانات المتعلقة بما تحويه الحقيبة الدبلوماسية.
ثالثا: حرمة الحقيبة الدبلوماسية.
لقد تطرقت النصوص الدولية المنظمة للقانون الدبلوماسي إلى المركز القانوني للحقيبة الدبلوماسية و لحاملها ، فقد نصت المادة 27 الفقرة 2 بالقول " تكون حرمة المراسلات الرسمية للبعثة مصونة ويقصد بالمراسلات الرسمية جميع المراسلات المتعلقة بالبعثة ووظائفها"، إن للمراسلات الرسمية الخاصة بالبعثة حصانة و حرمة تخص كل المراسلات الرسمية للبعثة والتي يدخل ضمنها الحقيبة الدبلوماسية ، كما أن اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963 تطرقت لهذه المسألة من خلال نص المادة 35 حيث أجازت حرية الاتصال لجميع الأغراض الرسمية و حماية هذه الحرية ، ويمكن حسب الفقرة الأولى من هذه المادة للبعثة القنصلية استخدام جميع و سائل الاتصال بما في ذلك السعاة الدبلوماسيون والقناصل و الحقائب الدبلوماسية.
وضمن نفس الإطار فان اتفاقية البعثات الخاصة كرست حرمة الحقيبة الدبلوماسية و لحاملها من خلال المادة 27 من خلال كفالة الدولة المستقبلة لجميع أعضاء البعثة الخاصة حرية الانتقال والسفر في إقليمها ، كما أحاطت المادة 28 فقرة 4 من ذات الاتفاقية على حرمة الحقيبة الدبلوماسية لما أكدت"لا يجوز فتح حقيبة البعثة الخاصة أو حجزها" ونفس الحماية جاءت بها اتفاقية تمثيل الدول في علاقاتها مع المنظمات الدولية ذات الصفة العالمية لعام 1975 .
فبالرجوع إلى نص المادة 27 الفقرة 3 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية للعام 1961 و التي أكدت على أنه "لا يجوز فتح الحقيبة الدبلوماسية أو حجزها" فإننا نؤكد أن حرمة الحقيبة الدبلوماسية في الوقت الحالي أصبحت من الأمور البديهية من حيث الاعتراف بها ، فالحقيبة الدبلوماسية لا يجوز فتحها أو حجزها و لتحقيق هذه الحرمة يجب أن تحمل الحقيبة الدبلوماسية علامات خارجية ظاهرة تدل على صفتها تلك ، وهذا ما تضمنته الفقرة الرابعة من ذات المادة (المادة 27/4 حيث نصت على أن "المحتويات المكونة للحقيبة الدبلوماسية يجب أن تحمل علامات خارجية ظاهرة تدل على صفتها و لا يجوز أن تحتوي سوى و ثائق دبلوماسية أو أشياء للاستعمال الرسمي .
إن محتوى الفقرة 4 من المادة 27 أكدت على عدم جواز احتواء الحقيبة الدبلوماسية على غير و وثائق دبلوماسية أو أشياء للاستعمال الرسمي، فهل يجوز فتحها للتأكد من هذا الأمر أم لا؟ للجواب على ذلك هناك من ذهب إلى إجازة فتحها و حجزها في حالة استعمالها على وجه يخالف النص المنوه به أعلاه.
وحتى يتسنى لنا توضيح مسألة فتح الحقيبة الدبلوماسية من عدمه فإننا نؤكد على أنه ثمة حالات تؤكد أن الحقيبة الدبلوماسية استعملت على وجه مخالف للفقرة الرابعة من نص المادة 27 المنوه بها أعلاه أي أعمال غير مشروعة مثل احتواء الحقيبة عل أشياء ممنوعة يتم إدخالها باستغلال الحصانة الممنوحة للحقيبة الدبلوماسية ، وقد أكد الأستاذ المجذوب محمد أن هذا الأمر كان موضوع مناقشة واسعة من طرف لجنة القانون الدولي خلال إعدادها للفقرة 3 من المادة 25 من مشروع إعداد اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية للعام 1961 والذي تقابله نص المادة 27 من اتفاقية فيينا المنوه بها أعلاه والناصة على عدم فتح الحقيبة الدبلوماسية، وبغرض التوفيق بين مسألة حماية الحقيبة الدبلوماسية و مسألة حماية الدولة المضيفة ضد احتمال احتواء الحقيبة الدبلوماسية على ممنوعات ، اقترحت فرنسا بأن يكون لوزير خارجية الدولة المضيفة فتح الحقيبة الدبلوماسية بحضور مندوب عن البعثة التي تعود إليها الحقيبة الدبلوماسية، وفي الأخير لم يتم الأخذ بمقترح فرنسا الأمر وبالتالي استقرار الرأي على عدم جواز فتح الحقيبة الدبلوماسية وهو ما تجسد في نص المادة 27 من اتفاقية فيينا .
والملاحظ للشأن الدولي يلاحظ أنه ثمة وقائع أثبتت تعرض الحقيبة الدبلوماسية إلى الفتح بإذن من وزير خارجية البلد المستضيف الأمر الذي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن حرمة الحقيبة الدبلوماسية ليست مطلقة فهي نسبية ، ومن أمثلة ّذلك ضبط ك من سفير المكسيك في بوليفيا وسفير غواتيمالا في بلجيكا وهولندا وهما يهربان في الحقيبة الدبلوماسية كميات من الهيروين إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث وبعد إجراء تحقيقات معمقة تبين أنهما ينتميان إلى عصابة دولية مختصة في تهريب المحذرات بكل أنواعها[3]
رابعا: حرية تنقلات أعضاء البعثة.
الدولة المستضيفة يقع عليها التزام بأن تقدم كل التسهيلات الضرورية واللازمة التي يتطلبها عمل البعثة ، وتتمثل هذه التسهيلات في أن تضمن الدولة المستضيفة كفالة حرية انتقال أعضاء البعثة في السفر في جميع إقليم الدولة لجميع أعضاء البعثة و كدا جمع المعلومات اللازمة لأعضاء البعثة و تشمل هذه المعلومات كل ما يتعلق بالجانب السياسي و الاقتصادي ، بل تتعدى ذلك إلى توطيد العلاقات بين مواطني أعضاء البعثة و مواطني الدولة الموفد إليها ، وكذلك خدمة مصالح الدولة التي ينتمي إليها المبعوث و مصالح الدولة الموفد إليها.
وحرصا من الدولة الموفد إليها وانطلاقا من مبدأ الحماية التي يتمتع بها المبعوث الدبلوماسي و حفاظا على أمن وسلامة المبعوث الدبلوماسي، يجوز للدولة الموفد إليها أن تطلب من المبعوثين الدبلوماسيين المعتمدين لديها عدم زيارة الأماكن التي لا يتوفر فيها الأمن.[4]
ونفس الشيء ينطبق فيما يخص عدم السماح للمبعوثين الدبلوماسيين بزيارة بعض المناطق لغرض المحافظة على الأمن القومي للدولة الموفدة إليها، وضمن هذا الإطار فقد نصت المادة 26 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 أن الدولة المعتمد لديها تكفل حرية التنقل والسفر في إقليمها لجميع أفراد البعثة مع عدم الإخلال بقوانينها وأنظمتها المتعلقة بالمناطق المحظور أو المنظم دخولها لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
يفهم من نص هذه المادة أن إصرار الدولة المعتمد لديها في وضع قيود على حركة تنقل أعضاء البعثة الدبلوماسية ليس هدفه التضييق على عمل البعثة،بل أن هدفه هو حماية المبعوث الدبلوماسي من الأخطار التي قد تعتريه في بعض المناطق الخطيرة والتي تحددها الدولة وبالتالي فان الدولة المضيفة تضمن سلامة أعضاء البعثة الدبلوماسية بالدرجة الأولى[3] - محمد المجذوب ، "التنظيم الدبلوماسي " مرجع سابق ص 488 .
[4] - مثال ذلك الأماكن التي تحدث فيها أعمال الشغب، وكذلك الأماكن و المناطق التي تظهر عدائها لدولة المبعوث الدبلوماسي.