ملخص الثامنة: الحصانات والامتيازات الدبلوماسية المقررة لذات المبعوث الدبلوماسي
ملخص الدرس
أولا: حصانة مسكن المبعوث الدبلوماسي.
إن طبيعة المبعوث الدبلوماسي لدى الدولة المضيفة تستدعي إحاطة مسكنه بحماية تجعل مسكن المبعوث الدبلوماسي في منأى من التعرض له من أي كان داخل إقليم الدولة المضيفة ، فقد نصت المادة 30 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 على "يتمتع المسكن الخارجي للمبعوث الدبلوماسي بذات الحرمة وذات الحماية المقررين لدار البعثة الدبلوماسية " وينطبق هذا النص على ذات المبعوث الدبلوماسي وهو رئيس البعثة الدبلوماسية وكذا أعضاء البعثة الدبلوماسية ، ولا مانع في أن يكون لرئيس البعثة الدبلوماسية و أعضاء البعثة مساكن مستقلة تشملها الحماية التي وفرتها المادة 30 من ذات الاتفاقية.
وتشمل حرمة المبعوث الدبلوماسي كل المنقولات التي يحتويها مسكنه الخاص، كما تمتد إلى أمواله المنقولة الأخرى، بمعنى أخر كل المنقولات المخصصة للاستعمال الشخصي، فلا يجوز لسلطات الدولة المستضيفة الحجز أو التنفيذ على هذه الأموال.[1]
إن الحصانات و الامتيازات التي أقرتها المادة 30 من اتفاقية فيينا للمبعوث الدبلوماسي ليست في منأى من الخرق الذي قد يطالها، ذلك أن مسكن المبعوث الدبلوماسي تم الاعتداء عليه في العديد من المرات في بعض بلدان العالم ، فعلى سبيل المثال قامت باكستان عام 1973 باقتحام مسكن الملحق العراقي العسكري بباكستان و هذا بعدما وردت إلى مصالح الحكومة الباكستانية أن مسكن الملحق العسكري يحوي أسلحة مختلفة بغرض تهريبها إلى المنشقين عن الحكومة الباكستانية ، وفعلا قامت السلطات الأمنية الباكستانية بتاريخ 11 فيفري 1973 باقتحام مسكن الملحق وبعد عملية التفتيش تم العثور على عدد من الأسلحة الخفيفة الرشاشة من نوع كلاشينكوف مما حذا بالحكومة الباكستانية إلى اعتبار الملحق العسكري شخصا غير مرغوب فيه.[2]
ففي هذا المثال فان المبعوث الدبلوماسي (الملحق العسكري العراقي بباكستان ) قام بخرق القوانين الدبلوماسية بالإضافة إلى خرقه القوانين الداخلية لباكستان ولولا تفطن الأجهزة الأمنية الباكستانية لهذا العمل الذي يمس بأمنها القومي لكانت الكارثة أو لأدى ذلك العمل تهديد الأمن القومي لباكستان في عمقه ، فهذا المبعوث استغل الحماية و الحصانات التي جاءت بها المادة 30 لأغراض محظورة ليس بموجب القانون الدولي الدبلوماسي فحسب لكنها محظورة في كل القوانين والأنظمة الداخلية للدول وخاصة الجنائية منها، فالمبعوث الدبلوماسي في هذه الحالة استغل حرمة مسكنه في ارتكاب أفعال تهدد الأمن القومي لدولة باكستان وأن هذا المبعوث انتهك قانون الدولة المضيفة.
فمن خلال النظر في العمل الدولي نستشف عديد الحالات تجاهلت فيها الدول الموفدة من خلال بعثاتها الأمن القومي للدول المستضيفة الأمر الذي أفقد البعثات الدبلوماسية ما كان لها من حصانة تقليدية مطلقة لا تجيز للدولة المستضيفة لأي سبب من الأسباب الدخول أو اقتحام مقار البعثة أو مسكن رئيس البعثة إلا بطلب الإذن منه.
ثانيا: الحصانات و الامتيازات الشخصية لذات المبعوث.
1 – تحديد مفهوم الحصانة الشخصية.
تتطلب الحصانة الشخصية لذات المبعوث الدبلوماسي مراعاة وحماية ذات المبعوث الدبلوماسي، فقد عرف الفقيه (calvo) الحرمة بأنها"ميزة تضع في منأى من كل اعتداء و كل محاكمة للشخص الذي يزود بها...وأن حق الوزراء المفوضين في التمتع بهذه الميزة ليس محل جل البتة، وهو يستند إلى الضرورة لا إلى المجاملة "[3]
إن تحديد مفهوم الحصانة الشخصية لذات المبعوث الدبلوماسي ليس بالأمر الهين ، فقد انقسم الفقهاء قديما بشأنها إلى ثلاثة أقسام وبهذا الصدد أكد (Grotius) أن الحصانة الدبلوماسية للمبعوثين الدبلوماسيين صعبة جدا ومن منطلق هذا المفهوم فقد رأينا أنه من الأهمية بما كان أن نتطرق إلى أهم الآراء بشأن الحصانات والامتيازات الشخصية لذات المبعوث الدبلوماسي.
أ – هذا ذهب أصحابه إلى تأكيد أن الحصانة الشخصية للمبعوث الدبلوماسي هي معروفة دوليا في القانون الدولي.
ب – يرى أصحاب هذا الرأي أن الحصانة الشخصية للمبعوث الدبلوماسي تتمثل أو تكمن في عدم خضوع المبعوث الدبلوماسي لإجراءات القبض أو الحجز و حمايته من أي اعتداء من جانب مواطني الدولة المستضيفة.
ج – يذهب أصحاب هذا الرأي إلى القول بأن الحصانة الشخصية للمبعوث الدبلوماسي تظهر في حمايته من تطبيق إجراءات القهر، والبعض الآخر أكد أن هذه الحصانات والامتيازات تعني حق المبعوث الدبلوماسي في زيادة الحماية من جانب الدولة المستقبلة.
د – هذا الرأي يخص الفقهاء العرب فيما يتعلق بالحصانات و الامتيازات بالنسبة للمبعوث الدبلوماسي ، فالملاحظ أن جل الفقهاء العرب اتفقوا بشأن تحديد مفهوم الحصانة الشخصية لذات المبعوث الدبلوماسي ، فقد أكدوا على ضرورة حماية المبعوث ضد كل اعتداء على شخصه ، وقد عرف الفقيه علي الصادق أبو هيف الحصانة بأنها الحرمة التي يتمتع بها المبعوث الدبلوماسي وهي تتناول ذاته و مسكنه و أمواله.[4]
2 – الحصانة الشخصية للمبعوث الدبلوماسي في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961.
الملاحظ لنص المادة 29 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية يستشف أن هذه المادة قد بينت تحديد مفهوم الحصانة الشخصية لذات المبعوث الدبلوماسي بشكل لا يكتنفه أي غموض ، كما أن هذه المادة حسب المختصين وعلى رأسهم الأستاذ محمد المجدوب تكون قد خطت خطوة عملاقة إلى الأمام كونها بينت صور هذه الحصانة فقد نصت على "تكون حرمة شخص المبعوث الدبلوماسي مصونة ولا يجوز إخضاعه لأية صورة من صور القبض أو الاعتقال ، ويجب على الدولة المعتمد لديها معاملته بالاحترام اللائق و اتخاذ جميع التدابير المناسبة لمنع أي اعتداء على شخصه أو حريته أو كرامته"
وبخصوص هذه المادة يمكننا تسجيل الملاحظات التالية.
أ – أن هذه المادة لم تحدد ماهي الوسائل المتخذة من قبل الدولة المضيفة لحماية كرامة الدبلوماسي ، فمن الصعب تحديد هذه الوسائل لذلك فان المشرع الدولي ترك للدولة المستضيفة حرية اتخاذ الوسائل اللازمة لحماية المبعوث الدبلوماسي و هذا أمر بديهي لأنه مرتبط بسيادة الدولة المضيفة.
ب – أن هذه المادة لم تجز في حالتين فقط اتخاذ إجراءات ضد المبعوث الدبلوماسي ، وهما حالة إلقاء القبض عليه أو الحجز مما يفتح المجال أمام تطبيق بعض إجراءات القوة القانونية في المسائل الأخرى .
ومن خلال هذا النص يمكننا التأكيد أن الحصانة الشخصية التي جاءت بها المادة 29 ليست ضيقة بل هي خاصة.
ج – أن نص المادة 29 ذكر صور الحضانة الشخصية وهي.
* أن تلتزم الدولة المعتمد لديها بعدم المساس بحرمة المبعوث الدبلوماسي بأي صورة من الصور و معاملته بالاحترام الواجب.
* أن تلتزم الدولة المستضيفة كذلك بحماية المبعوث من أي اعتداء.
* أقرت هذه المادة حماية المبعوث الدبلوماسي من القبض أو الاحتجاز إنما هو تأكيد لقاعدة من قواعد القانون الدولي.
ثالثا: الحصانة القضائية.
يتمتع المبعوث الدبلوماسي بالاظافة إلى حرمته الشخصية بحصانة قضائية تعفيه من الامتثال لقضاء الدولة المستضيفة خلال فترة إقامته بها لذلك سنقوم بمعرفة هذه الحصانة من زاويتين هما.
1 – الحصانة القضائية المدنية.
يتمتع المبعوث الدبلوماسي بحماية قضائية جنائية و مدنية و إدارية وإذا كانت حصانة المبعوث الدبلوماسي في المسائل الجنائية مطلقة بحيث تشمل جميع الجرائم إلا أن حصاناته المدنية نسبية أي أن هناك استثناءات ترد عليها.
فقد ذكرت المادة 31 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 أنه.
1 – " يتمتع المبعوث الدبلوماسي بالحصانة القضائية فيما يتعلق بالقضاء الجنائي للدولة المعتمد لديها وكذلك فيما يتعلق بقضائها المدني والإداري إلا في الحالات التالية.
أ – الدعاوي العينية المتعلقة بالأموال العقارية الخاصة الكائنة في إقليم الدولة المعتمد لديها ما لم تكن حيازته لها لصالح الدولة المعتمدة لاستخدامها في أعراض البعثة.
ب – الدعاوى المتعلقة بشؤون الإرث و التركات والتي يدخل فيها بوصفه منفذا أو مديرا أو وريثا أ, موصى له وذلك بالأصالة عن نفسه لا باسم الدولة المعتمدة.
ج – الدعاوى المتعلقة بأي نشاط مهني أو تجاري يمارسه في الدولة المعتمد لديها خارج وظائفه الرسمية.
2 – يعفى المبعوث الدبلوماسي من أداء الشهادة .
3 – لا يجوز اتخاذ أية إجراءات تنفيذية إزاء المبعوث الدبلوماسي إلا في الحالات المنصوص عليها في البنود أ و ب و ج من الفقرة الأولى من هذه المادة .
4 – تمتع المبعوث الدبلوماسي بالحصانة القضائية في الدولة المعتمد لديها لا يعفيه من قضاء الدولة المعتمدة ".
يفهم من هذا النص أن هذه المادة استثنت المبعوث الدبلوماسي من الخضوع للقضاء المدني و الإداري في الدولة المضيفة ، و في الحقيقة يعتبر هذا الاستثناء من القواعد التي استقر عليها العرف الدولي ، وقد أخذت بهذا العرف كثيرا من الدول في تشريعاتها فما عدا الاستثناءات المذكورة في المادة 31 فان المبعوث الدبلوماسي يتمتع بالحصانة القضائية المدنية في كل العقود التي يبرمها ، كذلك في كل حقوق الملكية من جميع الورثة أو هبة أو استئجار أو إيجار عقارات أو منقولات لصالح البعثة.
و في مقابل هذه الحصانات يجب على المبعوث الدبلوماسي احترام القوانين الداخلية للدولة المستقبلة و هذا الالتزام تم النص عليه في أحكام المادة 41 /1 فقرة أولى من ذات الاتفاقية و التي أكدت على"يجب على جميع المتمتعين بالامتيازات و الحصانات مع عدم الإخلال بها احترام قوانين الدولة المعتمد لديها و أنظمتها و يجب عليهم كذلك عدم التدخل في شؤون الداخلية".
2 – الحصانة القضائية الجنائية.
تعتبر الحصانة الجنائية للمبعوث الدبلوماسي مظهرا يعكس الحرية الشخصية التي يتمتع بها المبعوث الدبلوماسي، وعلى عكس الحصانة المدنية فان الحصانة الجنائية تعتبر مطلقة ، فلا يجوز للدولة المضيفة أن تتخذ أي إجراء جنائي يرمي إلى محاكمة المبعوث الدبلوماسي أو إخضاعه للإجراءات الجنائية العقابية ، وقد تسقط هذه الحصانة بالنسبة للجرائم التي يرتكبها المبعوث الدبلوماسي التي من شأنها المساس بأمن الدولة.[5]
إن العرف الدولي و القوانين الداخلية للدول و الاتفاقيات الدولية أكدت على هذه الحصانة ، وقد سبق للفقه أن أكد هذه الحصانة ، فقد أكد الفقيه (Oppenheim)فيما يتعلق بمسألة إعفاء المبعوثين الدبلوماسيين من الخضوع للقضاء الجنائي بالقول"ان التوافق بين القواعد النظرية و التطبيق العملي للقانون الدولي تام ، فالدولة المعتمد لدبها المبعوث الدبلوماسي لا تستطيع في أي من الظروف محاكمته أو معاقبته".[6]
إن تمتع المبعوث الدبلوماسي بحصانة جنائية مطلقة لا يعني أنه يفعل ما يشاء بل يقع عليه مقابل تلك الحصانة التزام يكمن في احترامه لقوانين الدولة المضيفة[7]،و في حالة رفضه ذلك فان الدولة المضيفة من حقها استدعاؤه ، فالمبعوث الدبلوماسي إذا ارتكب أية جريمة جنائية في إقليم الدولة المعتمد لديها فلا يجوز محاكمته أمام المحاكم الجنائية لتلك الدولة ، وما على الدولة الموفد إليها سوى رفع القضية إلى الدولة الموفدة أو التي يمثلها لمباشرة إجراءات متابعته أمام محاكمها .
فالهدف من هذه الحصانات الدبلوماسية هو تسهيل أعمال المبعوث الدبلوماسي داخل إقليم الدولة المستقبلة و بالمقابل هناك التزامات تقع على عاتق هذا المبعوث باحترام قوانين و أنظمة الدولة المستقبلة و ذلك بعدم ارتكابه أية جريمة تمس الدولة.
هذا ويجب أن نشير أن الحصانة القضائية للمبعوث الدبلوماسي هي أصلا مقررة لصالح دولته لا لصالح شخصه ، وعلى أساس ذلك فان القاعدة العامة هي أن الدولة الموفدة للمبعوث هي صاحبة حق التنازل عن الحصانة القضائية للمبعوث الدبلوماسي ، وأن المبعوث الدبلوماسي لا يملك هذا الحق، فالفقه و القضاء متفقان على أن مسألة التنازل عن الحصانة لا يكون إلا بموجب تصريح من دولته .[8]
- يدخل ضمن هذه الأموال السيارات ، الحسابات البنكية ، وكل الأشياء الأخرى الثمينة المخصصة للاستعمال الشخصي.[1]
[2] - محي الدين جمال ، قانون العلاقات الدبلوماسية والقنصلية منشورات بغدادي الطبعة الأولى 2013 ص 61 ، للمزيد من التفاصيل بشأن ذلك راجع أيضا فأوي الملاح ، سلطات الأمن والحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الواقع العملي مقارنة بالشريعة الإسلامية ، دار المطبوعات الجامعية مصر 1993 ص 425 .
[3] - charles calvo , le droit international thèorique et pratique,vol, 111 paris 1896 p 296.
[7] - نصت المادة 41 ضمن فقرتها الأولى من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 على ما يلي "دون الإخلال بالمزايا و الحصانات المقررة لهم على الأشخاص الذين يستفيدون من هذه المزايا و الحصانات واجب احترام قوانين و لوائح الدولة المعتمد لديها" .
[8] - مثال ذلك الرسالة التي بعثت بها الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 12 أوت 1925 حيث ورد فيها أن الحصانة القضائية التي يتمتع بها المبعوث الدبلوماسي الأمريكي لا يجوز التنازل عنها إلا بموافقة حكومته.