المحاضرة السادسة عشر: أحكام الحضانة وفق التعديل الجديد
المحاضرة السادسة عشر:
أحكام الحضانة وفق التعديل الجديد
يتناول هذا المطلب على الخصوص المواد القانونية المتعلقة بالحضانة، وهي بالتحديد المواد: 64 و67 و72 من قانون الأسرة الجزائري، وذلك على النحو الآتي:
الفرع الأول: الأولى بالحضانة عند اجتماع الرجال والسناء
تنص المادة 64 من قانون الأسرة على أن:"الأم أولى بحضانة ولدها، ثم الأب، ثم الجدة لأم، ثم الجدة لأب، ثم الخالة ثم العمة ثم الأقربون درجة مع مراعاة مصلحة المحضون في كل ذلك.."([1]).
أي أن الحضانة تكون مباشرة للأب بعد الأم، بعد عدول المشرع عن مذهب الجمهور، وبخاصة المذهب المالكي في ترتيب الحواضن كما كانت عليه المادة 64 قبل تعديلها. ومنه لا بد من الوقوف عند مسألة انتقال الحق في الحضانة بعد الأم إلى الأب مباشرة لمعرفة ما استند إليه المشرع فيما ذهب إليه ([2]).
أولا: الأم أولى بالحضانة
الحضانة تكون للنساء والرجال من المستحقين لها، إلا أن النساء يقدمن على الرجال؛ لأنهن أشفق وأرفق، وبها أليق وأهدى إلى تربية الصغار، ثم تصرف إلى الرجال؛ لأنهم على الحماية والصيانة وإقامة مصالح الصغار أقدر([3]). فتكون حضانة الولد للأبوين إذا كان النكاح قائما بينهما، فإن افترقا فالحضانة للأم بالاتفاق([4])؛ لما ورد أن امرأة جاءت إلى النبي r فقالت : يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء ، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله r:" أنت أحق به ما لم تنكحي"([5]).
وجاء في المبسوط:"اعلم أن الصغار لما بهم من العجز عن النظر لأنفسهم، والقيام بحوائجهم جعل الشرع ولاية ذلك إلى من هو مشفق عليهم، فجعل حق التصرف إلى الآباء لقوة رأيهم مع الشفقة، والتصرف يستدعي قوة الرأي، وجعل حق الحضانة إلى الأمهات لرفقهن في ذلك مع الشفقة وقدرتهن على ذلك بلزوم البيوت، والظاهر أن الأم أحنى وأشفق من الأب على الولد، فتتحمل في ذلك من المشقة ما لا يتحمله الأب، وفي تفويض ذلك إليها زيادة منفعة للولد"([6]). وجاء في المغني:"الأم أحق بكفالة الطفل والمعتوه إذا طلقت وهو قول الجمهور"([7]). وهذا ما أخذ به قانون الأسرة في المادة 64 التي نصت على أن:"الأم أولى بحضانة ولدها".
على أن الفقهاء قد اتفقوا في الجملة على أن الأم أحق بحضانة الولد بعد الفرقة إذا كملت الشرائط فيها، فإذا عدمت بأن تزوجت من أجنبي أو قريب غير محرم، أو سقط حقها في الحضانة بأي سبب من أسباب سقوطها، فإنها تنتقل إلى الجدة لأم - وإن علت- فإن لم تكن -بأن كانت ميتة أو متزوجة بغير محرم منه- فالحضانة إلى أم الأب -على خلاف بينهم في تقديم الخالة والأخت عليها-([8]) ثم إلى من يليها من مستحقيها من النساء([9]). والأصل في تقديم الجدة لأم ما جاء في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال:" كانت عند عمر امرأة من الأنصار فولدت له عاصما، ثم فارقها عمر -رضي الله عنه- فركب يوما إلى قباء، فوجد ابنه يلعب بفناء المسجد، فأخذ بعَضُده فوضعه بين يديه، فأدركته جدّة الغلام، فنازعته إياه أباه، فأقبل حتى أَتيا أبا بكر-رضي الله عنه- فقال عمر: هذا بعضي، وقالت المرأة: ابني. فقال أبو بكر: خلِّ بينه وبينها؛ فإن ريقها خير له من شهد وعسل عندك يا عمر"([10]) قال أبو بكر ذلك والصحابة حاضرون متوافرون، فلم ينكر ذلك أحد ولم يعارضه عمر، قال مالك: وهذا الأمر الذي آخذ به في ذلك([11]).
ثانيا: انتقال الحضانة من الأم إلى الأب وفقا لقانون الأسرة
إن ما ذهب إليه المشرع الجزائري في موضوع الحضانة بمختلف مسائلها إنما يهدف بالأساس إلى حماية مصلحة المحضون، ويتجلى ذلك من خلال السلطة التقديرية للقاضي، والتي تقضي بما يضمن تحقيق المصلحة للمحضون بالدرجة الأولى، ومثال ذلك استثناء سقوط الحضانة بالنسبة للحاضنة العاملة إذا كان في عملها ما يفوّت على المحضون رعايته والعناية به، وكذا من خلال الحكم بالنسبة لمكان الحضانة التي تكون حسبما تقتضيه مصلحة المحضون بغض النظر عن الحاضن، وكما في مسألة انتقال الحضانة من الأم إلى الأب مباشرة، من خلال المادة 64 والتي نصت على أن:"الأم أولى بحضانة ولدها، ثم الأب..مع مراعاة مصلحة المحضون في كل ذلك". حيث يفهم من هذا كله أن المشرع قد احتفظ في ترتيب الحاضنين بشرط مراعاة مصلحة المحضون في جميع الأحوال، وهذا يعني أن مصلحة المحضون فوق كل اعتبار، ومن شأنها أن تغير ترتيب حقوق الحاضنين، بحيث يمكن أن يمنح حق الحضانة للخالة وهي في المرتبة الخامسة إذا طلبتها وكان من شأنها ضمان مصلحة المحضون([12]).
وقد استند المشرع فيما ذهب إليه من جعل انتقال الحضانة من الأم إلى الأب مباشرة -فيما يبدو- إلى ما ورد في فقه الحنابلة، حيث جاء في المغني:"ولا يشاركها -أي الأم في الحضانة- في القرب إلا أبوه، وليس له مثل شفقتها، ولا يتولّى الحضانة بنفسه، وإنما يدفعه إلى امرأته، وأمه أولى به من امرأة أبيه"([13]).
وجاء في موضع آخر منه:"عن أحمد روايتين إذا عدمت الأم. الأولى: أن أم الأم وإن علت أولى بحضانته وهو المشهور، والثانية: أن أم الأب وأمهاتها مقدمات على أم الأم، فعلى هذه الرواية يكون الأب أولى بالتقديم، لأنهن يدلين به، فيكون الأب بعد الأم ثم أمهاته"([14]).
وجاء في موضع آخر منه أيضا:"وإن تركت الأم الحضانة مع استحقاقها لها، ففيه وجهان: أحدهما تنتقل إلى الأب؛ لأن أمهاتها فرع عليها في الاستحقاق، فإذا أسقطت حقها سقط فروعها. والثاني: تنتقل إلى أمهاتها وهو أصح، لأن الأب أبعد"([15]).
وعلى هذا يمكن القول بأن المشرع قد أخذ بالرواية المرجوحة عند الحنابلة في هذه المسألة، إلا أنه جعل المعيار في ترتيب الحواضن مراعاة مصلحة المحضون في كل الأحوال.
كما استند إلى ما قضت به المحكمة العليا في قرارها المؤرخ في 18/2/1997أنه:"من المستقر عليه قضاء أن الحضانة تمنح حسب مصلحة المحضون، ولما كان ثابتا في قضية الحال أن الحضانة أسندت إلى الأب مراعاة لمصلحة المحضون واعتمادا على تقرير المرشدة الاجتماعية التي تؤكد ذلك، فإن قضاة الموضوع إعمالا لسلطتهم التقديرية فقد طبقوا القانون، مما يستوجب رفض الطعن"([16]).
وكذا القرار المؤرخ في 12/2/2001:"إن إسناد الحضانة للأب بعد وفاة الأم كون مصلحة المحضون تقتضي ذلك يعد تطبيقا صحيحا للقانون"([17]).
الفرع الثاني: سقوط الحضانة بسبب عمل الحاضنة
نصت الفقرة الثانية من المادة 67 على أنه:"ولا يمكن لعمل المرأة أن يشكل سببا من أسباب سقوط الحق عنها في ممارسة الحضانة. غير أنه يجب في جميع الحالات مراعاة مصلحة المحضون"([18]).
حيث استدرك المشرع النص على عمل المرأة من خلال الفقرة الثانية (المضافة) من هذه المادة، من خلال ما أكدته المحكمة في قرارها الصادر بتاريخ 18/7/2000:" من المستقر عليه قضاء أن عمل المرأة لا يعتبر من مسقطات الحضانة، ومن ثم فإن قضاة المجلس بقضائهم بإلغاء الحكم المستأنف، والقضاء من جديد بإسقاط حضانة الولدين عن الطاعنة باعتبارها عاملة أخطأوا في تطبيق القانون وعرضوا قرارهم للقصور في التسبيب وانعدام الأساس القانوني، مما يستوجب نقض القرار المطعون فيه"([19]).
وبناء على هذا أكدّ المشرع على أن عمل الحاضنة خارج مسكن الحضانة لا يمكن أن يكون سببا من أسباب سقوطها([20])، ولا سقوط حقها في ممارسة الحضانة. واحتياطا ربط المشرع هذا الشرط بمصلحة المحضون، وهذا يعني أنه حتى وإن كان عمل الحاضنة لا يشكل سببا من أسباب سقوط حق الحضانة كمبدأ عام، فإنه كاستثناء من هذا المبدأ يجوز الحكم بإسقاط حق الحاضنة على العاملة إذا كان عملها يحرم المحضون من الرعاية والعناية، وغيرهما مما يخل بمصلحة المحضون([21]). وهذا ما جاء في القرار الصادر عن المحكمة العليا بتاريخ 3/7/2002:" عمل الأم الحاضنة لا يوجب إسقاط حقها في حضانة أولادها، ما لم يتوفر الدليل الثابت على حرمان المحضون من حقه في العناية والرعاية"([22]).
وهذا الرأي له ما يسانده من وجهة نظر الفقه الإسلامي في الحضانة بالنسبة للمرأة العاملة.
فقد اهتم الفقه الإسلامي بمصلحة المحضون، وجعل له الأولوية في كل ما يرجع عليه بالنفع، ويدفع عنه الضرر، فاشترط في الحاضنة كونها خلية متفرغة، حتى لا تنشغل بحقوق الغير عن حق المحضون في الرعاية والتربية، والاهتمام بكل ما يلزمه من عناية وخدمة. ولذلك جعلوا زواج الحاضنة بأجنبي من مسقطات حقها في الحضانة لانشغالها بحقوق الزوج، وقياسا على ذلك فإن خروج المرأة للعمل بالمفهوم الحديث (الموظفة)، يسقط حق الحضانة بالنسبة لها -وبخاصة من تعمل طوال أيام الأسبوع.
حتى وإن لم ينص الفقهاء القدامى على ذلك صراحة، كون المسألة لم تكن مطروحة لديهم بشكلها المعروف حاليا، إلا أن ما يفهم من خلال تتبع نصوصهم في هذا الشأن أنهم يجعلون عمل المرأة عائقا يحول دون استحقاقها الحضانة. وعلى هذا فمعيار سقوط حق الحضانة بالنسبة للمرأة العاملة هو التقصير وعدمه في القيام بواجبات المحضون. حيث يرى الحنفية([23]) والحنابلة([24]) أنه يجب على الحاضنة القيام بواجبات المحضون فإن لم تقم بذلك بأن قصرت في رعاية المحضون سواء من حيث الصحة والنظافة والتعليم والتأديب بحيث يلحق تقصيرها الضرر به في جسمه وسلوكه أو تسببت في إضاعة مصالحه، فإن هذا يؤدي إلى سقوط حقها في الحضانة.
ويلحق بتقصير الحاضنة كثرة خروجها من البيت على وجه يؤدي إلى إضاعة المحضون، فقد اتفق الفقهاء قديما وحديثا على أن المرأة التي تعمل خارج بيتها ويؤدي خروجها المتكرر إلى الإضرار بالمحضون فإن هذا يفقدها حقها في حضانة الصغير. جاء في المبسوط:"وجعل حق الحضانة إلى الأمهات لرفقهن في ذلك مع الشفقة وقدرتهن على ذلك بلزوم البيوت"([25])، وجاء في الفتاوى الهندية:"ولا حضانة لمن تخرج كل وقت وتترك البنت ضائعة"([26]). وفي روضة الطالبين:" الشرط الخامس كونها فارغة خلية"([27]).
واختلفوا في صور العمل التي لا تؤدي إلى فقد حق الحضانة:
أ- فقد نص الحنفية على أن عمل المرأة إذا لم يؤثر على المحضون بأن كانت مدة خروجها قصيرة فإن هذا لا يفقدها حقها في الحضانة، بخلاف ما لو كانت مدة خروجها طويلة كما لو كانت قابلة أو مغسلة([28]).
ب- ذهب مجموعة من الفقهاء المعاصرين إلى أن عمل المرأة يكون في ضوء قدرتها على تربية المحضون ورعايته، فإذا تمكنت من التوفيق بين الأمرين بإنابة غيرها عنها في الحضانة، فيبقى حقها في الحضانة قائما. وعلى هذا فعمل المرأة يجب أن ينظر إليه من خلال أداء الحقوق والواجبات الأسرية، وممن قال بهذا الرأي مصطفى شلبي، و عبد الرحمن الصابوني.([29])
ج- أما الشيخ أبو زهرة فقد ذهب إلى رأي قريب من رأي الحنفية السابق فقال إن المرأة التي تخرج من بيتها معظم النهار لا تستطيع القيام بتربية محضونها وعليه تفقد حقها في الحضانة، إلا أنه ذهب إلى أن تقدير الاستطاعة يرجع فيه إلى القاضي([30]).
د- ويرى محمد عقلة سقوط حق المرأة العاملة في حضانة الصغير، ويبرر رأيه بأن الواقع العملي يثبت الأثر السلبي لعمل المرأة وما يسببه من تفكك الأسر وضياع الناشئة([31]).
والذي أراه في هذه المسألة القول بعدم سقوط حق الحضانة بمجرد عمل المرأة، إنما يمكن النظر إلى طبيعة هذا العمل، فإن كان يستغرق منها وقتا طويلا يؤدي إلى تفريط في حق المحضون فأرى سقوط حقها في الحضانة.
كما يجب أيضا ضرورة مراعاة الجوانب النفسية والعاطفية عند دراسة أثر العمل وعدم الاقتصار على الجوانب المادية فقط، فإن العلماء عندما تحدثوا عن الحضانة تطرقوا لتأديب المحضون ورعايته وتعليمه والقيام بمصالحه، ولا شك أن من أعظم المصالح مراعاة الجوانب النفسية والعاطفية والتربوية للمحضون.
ولا بد من التنبيه في هذا المقام إلى أنه ما دام المشرع يتجه إلى تشجيع خروج المرأة للعمل، فيكون بالضرورة عليه مراعاة قوانين العمل -المعمول بها- لظروف المرأة الحاضنة وتقليص ساعات عملها بما لا يتعارض مع واجبها الأسري بحضانة صغارها. فمشاركة المرأة في الحياة العامة يجب ألا يؤثر سلبيا على واجباتها الأسرية، لأن تربية الجيل الجديد وتشكيل شخصيته يعد من أهم وظائف الأم، فإذا ما غابت هذه الوظيفة فإن المتوقع هو وجود جيل يعاني أبناؤه من خلل عاطفي ونفسي ووجود جيل متفكك الأسر متقطع الروابط.
ومن هنا يمكن القول أنه في جميع الحالات التي تكون عليها الحاضنة يجب تقديم ومراعاة مصلحة المحضون، كما ذهب إلى ذلك المشرع الجزائري وأكدته الاجتهادات القضائية المستندة أساسا إلى ما هو مقرر في الفقه الإسلامي، وذلك لأن حق المحضون أولى وأوكد من حق الحاضن، فلا يكون للمرأة العاملة الاحتفاظ بحقها في الحضانة ما لم تتحقق وتتأكد مصلحة المحضون.
الفرع الثالث: مسكن الحاضنة أو بدل الإيجار
نصت المادة 72 من قانون الأسرة على أنه:"في حالة الطلاق يجب على الأب أن يوفر لممارسة الحضانة سكنا ملائما للحاضنة، وإن تعذر ذلك فعليه دفع بدل الإيجار، وتبقى الحاضنة في بيت الزوجية حتى تنفيذ الأب للحكم القضائي المتعلق بالسكن"([32]). حيث يتضح من خلال هذا النص أن المشرع قد كفل للحاضنة المطلقة الحق في السكن حتى ولو كانت حاضنة لابن واحد أو بنت واحدة على خلاف ما ورد النص عليه في المادة 52 قبل تعديلها من خلال عبارة"مع محضونيها". والذي يفهم منها أن شرط استحقاق السكن أن تكون حاضنة لأكثر من واحد. كما يظهر أيضا أن المشرع قد أغفل عمدا النص على أسباب سقوط حق المطلقة الحاضنة في المسكن أو بدل إيجاره دون أي مبرر، وذلك عكس مانصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 52 قبل تعديلها:"تفقد المطلقة حقها في السكن في حال زواجها أو ثبوت انحرافها".
كما أنه لم يبين الحكم في حالة ما إذا كانت الفرقة خلعا أو تطليقا، ولم يكن للرجل يد في إيقاع الطلاق، وكذا الحكم عند الفرقة باللعان([33]).
على أن النفقة والسكن للمحضون واجبة على من تجب عليه نفقة الولد في الجملة عند جمهور العلماء، وإنما اختلفوا في سكنى الحاضنة نفسها، قال ابن عابدين بعد ذكره خلاف فقهاء الحنفية في ذلك:"والحاصل أن الأوجه لزوم أجرة المسكن على من لزمه نفقة المحضون، فإن السكن من النفقة، لكن هذا إن لم يكن لها مسكن، أما لو كان لها مسكن يمكنها أن تحضن فيه الولد ويسكن تبعا لها، فلا تجب الأجرة لعدم احتياجه إليه". وقال أيضا:"فينبغي أن يكون هذا توفيقا بين القولين، ولا يخفى أن هذا هو الأرفق للجانبين فليكن عليه العمل" ([34]). والخلاف عند المالكية كما قال الدردير في حاشيته على مختصر خليل:"إنما هو فيما يخص الحاضنة من المسكن، وأما السكنى فيما يخص المحضون فعلى الأب اتفاقا.ومذهب المدونة الذي به الفتوى أنه على الأب للمحضون والحاضنة معا، ولا اجتهاد فيه. وقيل تؤدي الحاضنة حصتها من الكراء. قال سحنون سكنى الطفل على أبيه وعلى الحاضنة ما يخص نفسها بالاجتهاد. ويكون عليه من الكراء على قدر ما يجتهد الحاكم. والمشهور أن على الأب السكنى وهو مذهب المدونة خلافا لابن وهب القائل أن أجرة المسكن على الحاضنة، وعلى المشهور قال سحنون تكون السكنى على حسب الاجتهاد"([35]). وجاء في النوادر لأبي زيد القيرواني:"قال ابن القاسم فيمن طلق امرأته وله منها ولد، فإن كان مليًّا فعليه أن يخدم، والسكنى عليه وعليها، وقال أيضا فيمن طلق امرأته وله منها ولدان: أنه ليس عليه لهما إلا النفقة، وليس عليه أن يكتري لهما. وسئل أشهب عمن طلق امرأته وله منها ولد يلزمه كراء منزل لولده، قال: نعم، وقال ابن القاسم: وإن لم يكن له ما ينفق على ولده منها إلا دارا، فإن كان فيها فضل، وإلا فلا نفقة عليه"([36]).وأما الشافعية والحنابلة فقد اعتبروا السكنى من النفقة، فمن تجب عليه نفقة الحاضنة يجب عليه إسكانها([37]).
حيث جاء في نهاية المحتاج:"ومؤنتها -ومنها السكنى- على من تلزمه نفقتها"([38]).
ويتحصّل من مجموع أقوال الفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أوجه: وجه يقضي للحاضنة المطلقة بالسكنى مطلقا، وفق ما جاء في المدونة، ووجه آخر يقضي لها بعدم وجوب المسكن للحاضنة على رأي ابن وهب، والوجه الثالث أن لها ذلك إذا لم يكن لها مسكن، وهذا هو الأرجح عند فقهاء الترجيح في المذهب الحنفي على رأي ابن عابدين([39])؛ لأن المتتبع لعبارات الفقهاء يجدها تكاد تتفق حول إعداد المسكن للحاضنة التي لا تملك مسكنا، وأما التي لها مسكن، فلا يُلزم المطلق بإسكانها وهو الراجح في مذهب الحنفية والمالكية، وهذا الذي مال إليه من المعاصرين الشيخ أبو زهرة والسيد سابق ومصطفى شلبي ومحمد بلتاجي وغيرهم([40]).
وعلى هذا فجملة الملاحظات التي يمكن إبداؤها بشأن ما ورد في الفقرة الثانية من المادة 72 التي نصت على أنه" تبقى الحاضنة في بيت الزوجية إلى غاية تنفيذ الأب للحكم القضائي المتعلق بالسكن"، فهي كالآتي:
أولا: إن النصوص الفقهية الواردة في هذه المسألة، وخاصة وفق مذهب الحنفية المالكية كما هو قول ابن عابدين" لكن هذا إن لم يكن لها مسكن"، صريحة في الكلام عن الحاضنة التي ليس لها مسكن، وهي التي على الأب سكناها هي ومحضونها، أما المشرع فلم يقيد حق الحاضنة في الاستقلال بمسكن الزوجية بهذا القيد المهم، إنما أطلق القول بأنه للمطلقة الحاضنة هذا الحق، ولم يفرق -كما ذهب إلى ذلك الفقهاء- مع أن هذا التفريق مهمّ جدا في الحالات التي يكون للمطلقة مسكن آخر غير مسكن مطلقها، حيث يعفي ذلك الزوج من الخروج من مسكنه الذي قد لا يكون في استطاعته الحصول على غيره.
ثانيا: أغفل المشرع الحالات التي يكون فيها المحضون ذا مال يمكن معه اسئجار منزل الحضانة له ولحاضنته، ذلك أن نفقة الصغير إنما تجب على الأب إذا لم يكن للصغير مال، أما إذا كان فالأصل أن نفقة الإنسان في ماله صغيرا كان أو كبيرا. ومما لا شك فيه أن المطلقة لا حق لها بذاتها في مسكن الزوجية بعد انتهاء الصلة بينها وبين الزوج، فإنما يأتي حقها في مسكن الزوجية باعتباره من نفقة المحضون على أبيه، فإذا كان للمحضون نفسه مال فنفقته أصلا من هذا المال، ولا حق له أو لحاضنته عندئذ في مسكن الزوجية السابقة، وهنا كان الأولى بالمشرع إبقاء المادة على ما كانت عليه قبل التعديل، وهو الأمر الذي عليه جمهور الفقهاء([41]).
ثالثا: لا يمكن تصور بقاء المطلقة في بيت مطلقها بعد صدور حكم الطلاق، إذ أصبحت بذلك أجنبية عليه، فكيف يعقل بقاؤهما في بيت واحد إلى غاية تنفيذ الحكم المتعلق بالسكن الذي عادة ما تطول مدة تنفيذه. ولا تسمى حينئذ بيت الزوجية؛ لأن الزوجية لم تعد قائمة، بل تسمى بيت مطلّقها.
وقد فصّل الرّملي ذلك وهو في سياق الحديث عن سكنى المعتدة من طلاق بائن بقوله:"و لو كان في الدار حجرة سكنها أحدهما، وسكن الآخر الحجرة الأخرى من الدار، فإن اتحدت المرافق -كمطبخ ومستراح- اشترط محرم، وإن كان في الدار بيت-يقصد حجرة واحدة- فإنه لا يجوز له أن يساكنها ولو مع محرم؛ لأنها لا تتميز من المسكن بموضع إلا إذا بنى بينهما حائلا، وبقي لها ما يليق بها سكن جاز، وإلا بأن لم تتحد المرافق بل اختصت كل من الحجرتين بمرافق فلا يشترط المحرم إذ لا خلوة"([42]).
وعلى هذا فإرادة المشرع غير واضحة في هذه المسألة، إذ يلزم من ذلك إما توفير سكن مستقل لها عن مسكنه إذا توفر لديه مسكن آخر-وهذا على خلاف الغالب- وإما أن يتخلى لها عن مسكنه الوحيد، فيقع بذلك المطلّق في الضيق والحرج، وهذا تجاوز كبير لم يقل به أحد من الفقهاء.
وحل هذه الإشكالية يكمن في تقديري:
أولا: في سرعة الفصل في قضايا الحضانة على وجه الاستعجال، وهذا ما استدركه المشرع من خلال نص المادة 57 مكرر:"يجوز للقاضي الفصل على وجه الاستعجال بموجب أمر على عريضة في جميع التدابير المؤقتة ولا سيما ما تعلق منها بالنفقة والحضانة والزيارة والمسكن"([43]).
ثانيا: إذا ثبت للقاضي أن الحاضنة لا مأوى لها إطلاقا، فهنا تقدم مصلحة المحضون، وتبقى الحاضنة في بيت مطلّقها إلى غاية تنفيذ الأب للحكم القضائي المتعلق بالسكن. أما إن كان لها مسكن خاص أو أهل تأوي إليهم، فإنها تمكث في بيتها أو في بيت أهلها وتستحق بدل الإيجار منذ انتهاء عدتها وخروجها من بيت مطلقها إلى غاية تنفيذ الأب الحكم القضائي، هذا إن تعذر عليه توفير سكن ملائم للحاضنة قبل تنفيذه للحكم القضائي.
فكان الأولى بالمشرع أن يجعل بدل الإيجار مقدّما على توفير السكن للحاضنة، لأنه يكون في مقدور المطلّق توفيره لها حال صدور الحكم بإيجابه. وقد سئل ابن حجر الهيثمي عن الأم الحاضنة إذا طلبت أجرة المسكن الذي تحضن فيه أولادها هل يجب على الأب استئجار المسكن أو لا، وهل تسقط حضانتها إذا لم يكن لها مسكن أم لا، وهل يدخل في مؤنة الحضانة أجرة المسكن أم لا؟ فأجاب بقوله:" الأم الحاضنة إن كانت في عصمة الزوج الأب فالإسكان عليه، وإلا فليس لها إلا أجرة الحضانة فتستأجر منها مسكنا إن شاءت ولا تسقط حضانتها بعدم ملكها أو نحوه لمسكن"([44]).
كما أن بدل الإيجار يكون الأفضل بالنسبة للحاضنة القاصر التي لا يكون بمقدورها الانفراد بسكن مستقل عن أهلها، وحتى لو أمكنها قانونا فإن العرف والواقع يأبيان ذلك، لما قد ينجر عنه من مفاسد قد تلحق الحاضنة وتضيع بذلك مصلحة المحضون.
[1]- عدلت بالأمر 05-02 المؤرخ في 27/2/2005. وحررت في ظل القانون 84-11 كما يلي:"الأم أولى بحضانة ولدها ثم أمها ثم الخالة ثم الأب ثم أم الأب ثم الأقربون درجة مع مراعاة مصلحة المحضون في كل ذلك..".
[2]- لا يتسع المقام لذكر ترتيب المستحقين للحضانة من النساء والرجال.انظر في ذلك:ابن قدامة:المغني،11/ 422 وما بعدها. عبد الله الموصلي: الاختيار لتعليل المختار، 4/14-15. الغرياني: مدونة الفقه المالكي، 3/162 وما بعدها. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، 7/719 وما بعدها.
[3]- الكاساني: بدائع الصنائع، 4/41. السرخسي: المبسوط، 5/207.
[4]- انظر، ابن القيم: زاد المعاد، 5/535. الشيخ نظام: الفتاوى الهندية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 2000، 1/564-565.
[5]- الدارقطني: كتاب النكاح، باب الحضانة، حديث رقم 3808. 4/468.
[6]- السرخسي: المصدر نفسه، 5/207.
[7]- ابن قدامة: المغني، 11/413.
[8]- إذا اجتمعت أم الأب والخالة، فأم الأب أحق وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد وحكي ذلك عن مالك وأبي ثور، وروي عن أحمد أن الأخت والخالة أحق من الأب، فعلى هذا يحتمل أن تكون الخالة أحق من أم الأب، وهو قول الشافعي في القديم، والصحيح عند الحنابلة أن الأم لأب مقدمة على الخالة. ابن قدامة: المغني، 11/422. الشربيني: مغني المحتاج، 3/592.
[9]- ليس معنى كون الحضانة لأحد الوالدين خلوّ الطرف الآخر عن رعاية المحضون ومباشرة مصالحه التي يجب عليه القيام بها أو التي يحتاج إليها المحضون، وكذلك ليس معنى كون الحضانة للجدة -سواء أكانت لأم أو لأب- انفضاض يد الوالدين عن حقهما في رعاية المحضون والنصح له والقيام بمصالحه التي لا يقوم بها إلا هما، وكذلك بعد انتهاء سن الحضانة واختيار المحضون لالتحاقه بأحد أبويه.
[10]- الإمام مالك: الموطأ، كتاب الوصية، باب ما جاء في المؤنث من الرجال ومن أحق بالولد، حديث رقم:2230 ، 2/317.
[11]- الباجي: المنتقى، 8/149.
[12]- انظر، عبد العزيز سعد: نفس المرجع السابق، ص 140.
[13]- ابن قدامة: المغني، 11/414.
[14]- ابن قدامة: المصدر نفسه، 11/ 426.
[15]- ابن قدامة: المصدر نفسه، 11/ 427.
[16]- ملف رقم 135640: المجلة القضائية، العدد الأول، 1997، ص 39.
[17]- ملف رقم 256629: المجلة القضائية، العدد الثاني، 2004، ص 421.
[18]- عدلت بالأمر 05-02 المؤرخ في 27/2/2005. وحررت في ظل القانون 84-11 كما يلي:" تسقط الحضانة باختلال أحد الشروط المرعية شرعا في المادة 62 أعلاه. غير أنه يجب مراعاة مصلحة المحضون في الحكم المتعلق بالفقرة أعلاه".
[19]- ملف رقم 245156: المجلة القضائية، عدد خاص، 2001، ص 188.
[20]- هذا الموقف من المشرع يدل على الاتجاه السياسي في تعزيزه لحرية المرأة في العمل، وطريق إلى تحقيق مساواتها بالرجل في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية، كما يلحظ هذا الاتجاه من خلال المادة 19 من قانون الأسرة التي تجيز لها اشتراط العمل أو الاستمرار فيه، وبناء على تخلف شرطها بعد الزواج، فلها الحق في طلب التطليق بناء على الفقرة التاسعة من المادة 53. غير أن الدور الحقيقي للمرأة لا يظهر أثره إلا في تربية النشء، وكفاية الولد من الرعاية والعناية وعاطفة الأمومة التي يفتقر إليها الولد في دار الحضانة بعيدا عن أمه لفترة طويلة.
[21]- انظر، عبد العزيز سعد: نفس المرجع السابق، ص 142.
[22]- ملف رقم 274207: المجلة القضائية، العدد الأول، 2004، ص 262.
[23]- انظر، الشيخ نظام: الفتاوى الهندية، 1/565-566.
[24]- انظر، البهوتي: الروض المربع، ص 629-630.
[25]- السرخسي: المبسوط، 5/207.
[26]- الشيخ نظام: المصدر نفسه، 1/566.
[27]- النووي: روضة الطالبين، 6/506.
[28]- ابن عابدين: رد المحتار، 3/603.
[29]- شلبي: أحكام الأسرة في الإسلام، ص 764. الصابوني: نظام الأسرة وحل مشكلاتها في ضوء الإسلام، مكتبة وهبة، القاهرة، ط9، 1983، ص 279.
[30]- أبو زهرة: الأحوال الشخصية، 407.
[31]- محمد عقلة: نظام الأسرة في الإسلام، عمان، مكتبة الرسالة الحديثة، ط 2، 1990، 3/370.
[32] - عدلت بالأمر 05-02 المؤرخ في 27/2/2005. وحررت في ظل القانون 84-11 كما يلي:"نفقة المحضون وسكناه من ماله إذا كان له مال، وإلا فعلى والده أن يهيئ له سكنا وإن تعذر فعليه أجرته".
[33] - يسقط حق الحاضنة في المسكن إذا اختلعت من زوجها على أن يكون البدل الذي تلتزم الزوجة بدفعه هو بدل إيجار المسكن أو نفقتها على الولد -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- وأما في حالة التطليق فالضرر واقع بالمرأة ويوجب لها التعويض، ويكون من حقها كذلك المسكن إذا كانت حاضنة، ويختلف الأمر في اللعان بأن نفى المطلق أبوته لابنه وانتفى النسب فلا نفقة ولا سكنى. انظر، العمراني: البيان في مذهب الشافعي، 10/25. ابن قدامة: المغني، 11/405.
[34] - ابن عابدين: رد المحتار، 3/562.
[36] - أبو زيد القيرواني: النوادر والزيادات، تحقيق محمد عبد العزيز الدباغ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1، 1999، 5/58-59.
[37] - العمراني: البيان في مذهب الشافعي، 11/230-232. ابن قدامة: المغني، 11/402.
[38] - الرملي: نهاية المحتاج، 7/225.
[39] - ابن عابدين: رد المحتار، 3/562.
[40] - انظر، أبو زهرة: الأحوال الشخصية، 410.السيد سابق: فقه السنة، 2/221. شلبي: أحكام الأسرة في الإسلام، ص 769. محمد بلتاجي: دراسات في الأحوال الشخصية، ص 196 وما بعدها.
[41] - انظر، الماوردي: الحاوي الكبير، 11/478. ابن قدامة: المغني، 11/372 وما بعدها.
[42] - الرملي: نهاية المحتاج، 7/163.
[43] - مضافة بموجب الأمر 05-02 المؤرخ في 27/2/2005. وقد وضع المشرع هذه المادة لتسهيل الأمر على الزوجة عند طلبها نفقة مؤقتة سكن مؤقت أو زيارة وغيرها من الأحكام المنصوص عليها في المادة، وذلك بأن يكون الطلب على ذيل العريضة تقدمه لرئيس المحكمة أو رئيس قسم شؤون الأسرة للحصول على أمر واجب التنفيذ. ولا إشكال من حيث القاضي المختص بذلك كما يرى بعض المحضرين القضائيين، فقد يكون رئيس المحكمة أو رئيس قسم شؤون الأسرة.
[44] - ابن حجر الهيثمي: الفتاوى الكبرى الفقهية، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1983، 4/216.